اعتدنا في كل مؤتمراتنا الفكرية والشعبية وكل حواراتنا وندواتنا على جلد الذات العربي حتى إن اليأس من هذه الأمة بدأ يدب في عقول الكثير منا. في مؤتمر مركز سبأ للدراسات الاستراتيجية الذي عقد في صنعاء بحضور مكثف من أهل الرأي والبحث العلمي من أقطار
عربية شتى، لم يكن المؤتمر وما عرض أمامه من اوراق عمل بعيدا عن جلد الذات العربي، وكأننا امة لم تعد صالحة للحياة بين الأمم.
الكل يلقي باللائمة على عدم صلاحية أمتنا على التعليم ومناهجه، وخططه وبرامجه، وكأن علماءنا المتخرجين من جامعاتنا لا تمتلئ
بهم المجمعات والمؤسسات الطبية والعلمية والاقتصادية في الغرب، لكن لم أجد بين الأوراق التي قدمت مقارنة بين ميزانية التعليم والاهتمام به وميزانيات المنظمة الأمنية (مخابرات، مباحث، فرق شغب،....إلخ ).لم أجد ورقة واحدة تلقي باللائمة على النظام السياسي وإهماله لبناء المدارس الحديثة على أسس تتيح بيئة علمية مريحة أسوة ببناء المعسكرات الراقية والدوائر الأمنية الممتازة وشراء السلاح وآلات التعذيب وبناء منازل ضباط الجيش والأمن، ولم تتعرض ورقة بحثية لإهمال النظام السياسي للعلماء والمعلمين والارتقاء بتأثيث المدارس والمعاهد والجامعات بأحدث المختبرات والأجهزة العلمية والاعتناء بالترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، كل الأنظمة العربية تغدق على المؤسسات الأمنية ورجالها وضباط الجيش بكل الامتيازات والمرتبات العالية والبدلات السخية ومنح الأراضي التي تعطى بكرم حاتم طي، أما معلم المدرسة وأستاذ الجامعة فهو محروم مهموم مثقل بأعباء الحياة دون التفاتة من النظام السياسي. ضباط الأمن والجيش لهم امتيازات خاصة في الأندية الراقية، رحلاتهم الجوية وعائلاتهم بنصف التكلفة وكذلك الدبلوماسيون، أما عضو هيئة التدريس سواء في التعليم العام أم في التعليم العالي فهو كغيره من العامة بلا امتياز. يقول الأستاذ الدكتور عبد العزيز الوحش في ورقته القيمة التي قدمت للمؤتمر: " لقد اتضح اليوم أن النظام التربوي التعليمي لم يضع الأهداف، والخطط، والسياسات الكافية التي تلبي مطالب التنمية وحاجات سوق العمل الحالية " لكن استأذنا الوحش لم يذكر الأسباب التي أدت إلى عدم وضع أهداف للتعليم وخطط وبرامج ووضع السياسات اللازمة للنهوض بمتطلبات التنمية، ولم يذكر ما هي التنمية المستهدفة؟ هل هي التنمية السياسية، أو هي التنمية الاقتصادية، هل هي التنمية الإدارية، أم هي.. ماذا؟ ويشير الأستاذ الوحش إلى نقطة مهمة هي " أن استراتيجية التعليم الثانوي والجامعي في اليمن لم يتم إقرارها وتنفيذها حتى اليوم "، ولكننا لم نعرف الدوافع والأسباب التي أدت إلى عدم إقرارها. إن المخيف في
ورقة الدكتور الوحش قوله: ” إن النتائج النهائية لتعداد السكان لعام 2004 (التقرير الثاني) يشير إلى أن 67.8 % من إجمالى السكان ( 10 سنوات فأكثر) كلهم أميون وفي أحسن الحالات يقرأ بعضهم ويكتب، أي إن نسبة ( الأمية ارتفعت خلال عشر سنوات من ( 40.550.202 عام 1994 إلى ( 60.195.039 عام 2004 ) رغم وضع وإقرار الاستراتيجية الوطنية لمحو الأمية. نعم نستطيع
القول بأن جمهورية اليمن في خطر. المعروف أن الأمية بأنواعها تنحسر في كل دول العالم النامي إلا في اليمن، فما هي أسباب ذلك؟ إني أتهم بكل وضوح الأحزاب السياسية الحاكمة بالتقصير، فالعضوية في هذه الأحزاب أعدادها في تصاعد بينما الأمية أيضا في تصاعد، هل
دور أعضاء الحزب الحاكم يتجلى في المحافظة على بقاء النظام السياسي واستخدامهم أداة تصويتية لصالح الحزب الحاكم، ويتوارثه الأبناء والأحفاد، وفي ذات الوقت العضوية في الحزب الحاكم فقط من اجل البقاء في الوظيفة أياً كانت درجتها ومن ثم توريثها للأبناء والأحفاد. أليس واجب أعضاء الأحزاب الحاكمة النزول إلى الشارع للمساهمة في التنمية بكل بنودها والخروج من ربقة التخلف التي يعيشها المجتمع والظهور بالمظهر اللائق للمواطنين؟. النموذج الذي يجب محاكاته هو نظام حزب البعث الحاكم في العراق
قبل الاحتلال إذ انه فرض على كل أعضاء الحزب الذهاب إلى القرى والأرياف بمهمة ما تعارف عليه أهل العراق " المعايشة " أي الحياة والتثقيف والتعليم والتدريب كلاً في حقل اختصاصه للشعب العراقي خارج المدن، أما في المدن فإن على جميع أعضاء الحزب الانضباط والالتزام بالقانون والنظام وذلك شرط من شروط العضوية في الحزب، والعضوية كانت تكليفاً وليست تشريفاً. النموذج الثاني الصين إبان حياة (ماو تسي تونج) كان خريج الجامعة والمعهد لا يتسلم شهادته إلا إذا عمل في الأرياف، وسؤالي هل لنا أن نعتبر من سير تجارب الشعوب؟ آخر القول: كي تجد العمالة اليمنية مكانها في أي بقعة في العالم العربي وخاصة منطقة الخليج العربي.. على وسائل الإعلام اليمنية إبراز الإنسان اليمني في أفضل صورة، وليس بالمظاهر المسلحة والعنف والاختطاف ومجالس القات، فكل تلك العوامل منفرة لا جاذبة وعلى النظام السياسي الاهتمام بأهم عامل من عوامل التنمية ذلك هو المعلم في كل مراحل التعليم، فهو القيم على الأمن الفكري، وبدونه لن تحدث تنمية ولا استقرار.