منتديات سماء يافع

منتديات سماء يافع (http://http://yaf4.com/vb/index.php)
-   نفحــات إيمانيــة عامــة (http://http://yaf4.com/vb/forumdisplay.php?f=4)
-   -   مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله (http://http://yaf4.com/vb/showthread.php?t=32958)

رامي الهندي 04-12-2011 12:58 PM

مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية

قال تعالى: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } وقال تعالى { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم } وقال تعالى: { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله }.



الشَّرْحُ

قال المؤلف باب الإخلاص النية محلها القلب، ولا محل لها في اللسان في جميع الأعمال ولهذا كان من نطق بالنية عند إرادة الصلاة أو الصوم أو الحج أو الوضوء أو غير ذلك من الأعمال كان مبتدعاً قائلاً في دين الله ما ليس منه .
لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ ويصلي ويتصدق ويصوم ويحج ولم ينطق بالنية وذلك لأن النية محلها القلب .
والله عز وجل يعلم ما في القلب ولا يخفى عليه شيء كما قال تعالى في الآية التي ساقها المؤلف: {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله} ويجب على الإنسان أن يخلص النية لله في جميع عباداته، وأن لا ينوي بعبادته إلا وجه الله والدار الآخرة .
وهذا هو الذي أمر الله به في قوله: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } أي مخلصين له العمل .
وينبغي أن يستحضر النية في جميع العبادات .
فينوي مثلاً الوضوء وأنه توضأ لله وأنه توضأ امتثالاً لأمر الله .

فهذه ثلاثة أشياء:
1 - نية العبادة .

2 - ونية أن تكون لله .

3 - ونية أنه قام بها امتثالا لأمر الله .

هذا أكمل شيء في النية كذلك في الصلاة وفي كل العبادات .
وذكر المؤلف عدة آيات كلها تدل على أن النية محلها القلب، وأن الله سبحانه عالم بنية العبد .
ربما يعمل عملاً يظهر أمام الناس أنه عمل صالح وهو عمل فاسد أفسدته النية لأن الله يعلم ما في القلب .
وما يجازى الإنسان يوم القيامة إلا على ما في قلبه لقول الله تعالى: { إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر } أي يوم تختبر السرائر - البواطن - كقوله: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور } ففي الآخرة يكن الثواب والعقاب والاعتبار بما في القلب، أما في الدنيا فالعبرة بما ظهر، فيعامل الناس بظواهر أحوالهم .
ولكن هذه الظواهر إن وافقت ما في البواطن صلح ظاهره وباطنه وسريرته وعلانيته وإن خالفت وصار القلب منطوياً على نية فاسدة فما أعظم خسارته .

يعمل ويتعب ولا حظ له في العمل كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قال أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه فالله الله أيها الإخوة بالإخلاص لله .
واعلم أن الشيطان قد يأتيك عند إرادة عمل الخير فيقول إنك إنما تعمل هذا رياء فيحبط همتك ويثبطها ولكن لا تلتفت إلى هذا ولا تطعه بل اعمل لأنك لو سئلت هل أنت الآن تعمل هذا رياء وسمعة ؟ قلت: لا إذن فهذا الوسواس الذي أدخله الشيطان في قلبك لا تلتفت له .

رامي الهندي 04-12-2011 01:10 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
_وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) متفق على صحته .
رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري رضي الله عنهما في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة .

[color="rgb(154, 205, 50)"]الشَّرْحُ

لما كان هذا الباب في الإخلاص لله، وأنه ينبغي أن تكون النية المخلصة لله في كل قول وفي كل فعل وعلى كل حال وذكر المؤلف من الآيات ما يتعلق بهذا المعنى، ذكر رحمه الله من الأحاديث ما يتعلق به أيضاً، وصدر هذا بحديث عمر بن الخطاب الذي قال فيه سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى هاتان الجملتان اختلف العلماء - رحمهم الله - فيهما، فقال بعض العلماء إنهما جملتان بمعنى واحد، وأن الجملة الثانية تأكيد للجملة الأولى .
ولكن هذا ليس بصحيح وذلك لأن الأصل في الكلام أن يكون تأسيساً لا تأكيداً .
ثم إنهما عند التأمل يتبين أن بينهما فرقاً عظيماً، فالأولى سبب، والثانية نتيجة .
الأولى سبب يبين فيها النبي صلى الله عليه وسلم أن كل عمل لابد فيه من نية كل عمل يعمله الإنسان وهو عاقل مختار فلابد فيه من نية ولا يمكن لأي عاقل مختار أن يعمل عملاً إلا بنية .
حتى قال بعض العلماء: لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق وهذا صحيح، كيف تعمل وأنت عاقل في عقلك وأنت مختار غير مكره عملاً بلا نية ؟ هذا مستحيل لأن العمل ناتج عن إرادة وقدرة، والإرادة هي النية، إذا فالجملة الأولى معناها أنه ما من عامل إلا وله نية ولكن النيات تختلف اختلافاً عظيما وتتباين تبايناً بعيداً كما بين السماء والأرض .
من الناس من نيته في القمة في أعلى شيء ومن الناس من نيته في القمامة في أخس شيء وأدنى شيء .
حتى إنك لترى الرجلين يعملان عملاً واحداً يتفقان في ابتدائه وانتهائه وفي أثنائه وفي الحركات والسكنات والأقوال والأفعال، وبينهما كما بين السماء والأرض كل ذلك باختلاف النية .
إذاً الأساس أنه: ما من عمل بلا نية .
نتيجة قوله: [color="rgb(154, 205, 50)"]وإنما لكل امرئ ما نوى[/color] إن نويت الله والدار الآخرة في أعمالك الشرعية حصل لك ذلك، وإن نويت الدنيا فقد تحصل وقد لا تحصل .
قال الله: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ما قال عجلنا له ما يريد بل قال ما نشاء أي لا ما يشاء هو لمن نريد لا لكل إنسان فقيد المعجل والمعجل له .
إذاًَ من الناس من يعطى ما يريد من الدنيا ومنهم من يعطى شيئاً منه ومنهم من لا يعطى شيئاً أبداً .
هذا معنى قوله { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } أما { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً } لابد أن يجني هذا العمل الذي أراد به وجه الله والدار الآخرة .
وقوله: إنما الأعمال بالنيات ..
إلخ هذه ميزان لكل عمل، لكنه ميزان الباطن وقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ميزان للأعمال الظاهرة .
ولهذا قال أهل العلم: هذان الحديثان يجمعان الدين كله ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً يطبق هذا الحديث عليه، قال فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه الهجرة: أن ينتقل الإنسان من دار الكفر إلى دار الإسلام، مثل أن يكون في أمريكا - وأمريكا دار كفر - فيسلم ولا يتمكن من إظهار دينه هناك، فينتقل إلى البلاد الإسلامية هذه هي الهجرة .
إذا هاجر الناس، فهم يختلفون في الهجرة، منهم من يهاجر ويدع بلده إلى الله ورسوله، يعني إلى شريعة الله التي شرعها الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم هذا هو الذي ينال الخير، وينال مقصوده ولهذا قال: فهجرته إلى الله ورسوله أي فقد أدرك ما نوى.
[color="rgb(154, 205, 50)"]الثاني: [/color]هاجر لدنيا يصيبها، مثلاً رجل يحب جمع المال فسمع أن في بلاد الإسلام مرتعاً خصباً لاكتساب الأموال فهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام فقط، لا يقصد أن يستقيم على دينه ولا يهتم لدينه، إنما همه المال .
[color="rgb(154, 205, 50)"]ثالثاً[/color]: رجل هاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام يريد امرأة يتزوجها قيل له لا نزوجك إلى في بلاد الإسلام ولا تسافر بها إلى بلاد الكفر، فهاجر من بلده إلى بلاد الإسلام من أجل المرأة .
فمريد الدنيا ومريد المرأة لم يهاجر إلى الله ورسوله، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: فهجرته إلى ما هاجر إليه وهنا قال: إلى ما هاجر إليه ولم يقل فهجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فلماذا ؟ قيل لطول الكلام، فإذا قيل فهجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها طال الكلام وقيل بل لم ينص عليهما احتقاراً وإعراضاًَ عن ذكرهما لأنها نية فاسدة منحطة .
وعلى كل حال فإن هذا الذي نوى بهجرته الدنيا أو المرأة لاشك أن نيته سافلة منحطة هابطة بخلاف الأول الذي هاجر إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
أقسام الهجرة: الهجرة تكون للعمل، وتكون للعامل، وتكون للمكان .
القسم الأول: هجرة المكان: فأن ينتقل الإنسان من مكان تكثر فيه المعاصي ويكثر فيه الفسوق وربما يكون بلد كفر إلى بلد لا يوجد فيه ذلك .
وأعظمه الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وقد ذكر أهل العلم أنه تجب الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يظهر دينه .
وأما إذا كان قادراً على إظهار دينه ولا يعارض إذا أقام شعائر الإسلام فإن الهجرة لا تجب عليه ولكنها تستحب، وبناء على ذلك يكون السفر إلى بلد الكفر أعظم من البقاء فيه، فإذا كان بلد الكفر الذي كان وطن الإنسان إذا لم يستطع إقامة دينه فيه وجب عليه مغادرته والهجرة منه .
فكذلك إذا كان الإنسان من أهل الإسلام ومن بلاد المسلمين فإنه لا يجوز له أن يسافر إلى بلد الكفر لما في ذلك من الخطر على دينه وعلى أخلاقه ولما في ذلك من إضاعة ماله ولما في ذلك من تقوية اقتصاد الكفار ونحن مأمورون بأن نغيظ الكفار بكل ما نستطيع كما قال الله تبارك تعالى: { يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين } وقال تعالى: { ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين } فالكافر أياً كان، سواء كان من النصارى أو من اليهود أو من الملحدين، وسواء تسمى بالإسلام أو لم يتسم بالإسلام، الكافر عدو لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين جميعاً، مهما تلبس بما يتلبس به فإنه عدو .
فلا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلد الكفر إلا بشروط ثلاثة:
الشرط الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات، لأن الكفار يوردون على المسلمين شبهاً في دينهم وفي رسولهم وفي كتابهم وفي أخلاقهم، في كل شيء يوردون الشبهة ليبقى الإنسان شاكاً متذبذباً، ومن المعلوم أن الإنسان إذا شك في الأمور التي يجب فيها اليقين فإنه لم يقم بالواجب، فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره يجب أن يكون يقيناً فإن شك الإنسان في شيء من ذلك فهو كافر .
فالكفار يدخلون على المسلمين الشك حتى أن بعض زعمائهم صرح قائلاً: لا تحاولوا أن تخرجوا المسلم من دينه إلى دين النصارى ولكن يكفي أن تشككوه في دينه، لأنكم إذا شككتموه في دينه سلبتموه الدين وهذا كاف .
أنتم أخرجوه من هذه الحظيرة التي فيها العزة والغلبة والكرامة ويكفي، أما أن تحاولوا أن تدخلوه في دين النصارى المبني على الضلال والسفاهة فهذا لا يمكن، لأن النصارى ضالون كما جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان فدين المسيح دين حق لكنه دين الحق في وقته قبل أن ينسخ برسالة النبي صلى الله عليه وسلم .
الشرط الثاني: أن يكون عنده دين يحميه من الشهوات لأن الإنسان الذي ليس عنده دين إذا ذهب إلى بلاد الكفر انغمس لأنه يجد زهرة الدنيا هناك، من خمر وزنى ولواط وغير ذلك .
[color="rgb(154, 205, 50)"]الشرط الثالث:[/color] أن يكون محتاجاً إلى ذلك مثل أن يكون مريضاً يحتاج إلى السفر إلى بلاد الكفر للاستشفاء، أو يكون محتاجاً إلى علم لا يوجد في بلاد الإسلام تخصص فيه فيذهب إلى هناك أو يكون الإنسان محتاجاً إلى تجارة، يذهب ويتجر ويرجع المهم أن يكون هناك حاجة ولهذا أرى أن الذين يسافرون إلى بلد الكفر من أجل السياحة فقط أرى أنهم آثمون، وأن كل قرش يصرفونه لهذا السفر فإنه حرام عليهم وإضاعة لمالهم وسيحاسبون عنه يوم القيامة حين لا يجدون مكاناً يتفسحون فيه أو يتنزهون فيه .
حين لا يجدون إلا أعمالهم لأن هؤلاء يضيعون أوقاتهم ويتلفون أموالهم ويفسدون أخلاقهم وكذلك ربما يكون معهم عوائلهم، ومن عجب أن هؤلاء يذهبون إلى بلاد الكفر التي لا يسمع فيها صوت مؤذن ولا ذكر ذاكر وإنما يسمع فيها أبواق اليهود ونواقيس النصارى ثم يبقون فيها مدة هم وأهلوهم وبنوهم وبناتهم فيحصل في هذا شر كثير نسأل الله العافية والسلامة .
وهذا من البلاء الذي يحل الله به النكبات والنكبات التي تأتينا والتي نحن الآن نعيشها كلها بسبب الذنوب والمعاصي، كما قال الله: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } نحن غافلون في بلادنا كأن ربنا غافل عنا كأنه لا يعلم، كأنه لا يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته .
والناس يعصرون في هذه الحوادث ولكن قلوبهم قاسية والعياذ بالله وقد قال الله سبحانه: { ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون } أخذهم العذاب ونزل بهم ومع ذلك ما استكانوا إلى الله وما تضرعوا إليه بالدعاء وما خافوا من سطوته، لكن قست القلوب نسأل الله العافية وماتت حتى أصبحت الحوادث المصيرية تمر على القلب وكأنها ماء بارد .
نعوذ بالله من موت القلب وقسوته وإلا لو كان الناس في عقل وصحوة وفي قلوب حية ما ساروا على هذا الوضع الذي عليه نحن الآن مع أننا في وضع نعتبر أننا في حال حرب مدمرة مهلكة، حرب غازات الأعصاب والجنود وغير ذلك ومع هذا لا تجد أحداً حرك ساكناً إلا أن يشاء الله .
إن أناساً في هذه الظروف العصيبة ذهبوا بأهليهم يتنزهون في بلاد الكفر وفي بلاد الفسق وفي بلاد المجون والعياذ بالله .
أقول مرة ثانية إن الهجرة من بلد الكفر الذي لا يستطيع أن يقيم الإنسان فيه دينه واجبة .
والسفر إلى بلاد الكفر للدعوة يجوز إذا كان له أثر وتأثير هناك فإنه جائز لأنه سفر لمصلحة، وبلاد الكفر كثير من عوامهم قد عمي عليهم الإسلام لا يدرون عن الإسلام شيئاً بل قد ضللوا وقيل لهم إن الإسلام دين وحشية وهمجية ورعاع ولا سيما إذا سمع الغرب هذه الحوادث التي جرت على يد أناس يقولون إنهم مسلمون سيقولون أين الإسلام ؟ هذه وحشية فينفرون من الإسلام بسبب المسلمين وأفعالهم، نسأل الله أن يهدينا أجمعين .
القسم الثاني: هجرة العمل، وهي أن يهجر الإنسان ما نهاه الله عنه من المعاصي والفسوق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه فاهجر كل ما حرم الله عليك سواء كان مما يتعلق بحقوق الله أو مما يتعلق بحقوق عباد الله فتهجر السب والشتم والقتل والغش وأكل المال بالباطل وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وكل شيء حرم الله تهجره، حتى لو أن نفسك دعتك إلى هذا وألحت عليك فذكرها أن الله حرم ذلك حتى تهجره وتبعد عنه .
القسم الثالث: هجرة العامل، فالعامل قد تجب هجرته أحياناً، قال أهل العلم: مثل الرجل المجاهر بالمعصية الذي لا يبالي بها فإنه يشرع هجره إذا كان في هجره فائدة ومصلحة .
والمصلحة والفائدة أنه إذا هجر عرف قدر نفسه ورجع عن المعصية .
ومثال ذلك: رجل معروف بالغش بالبيع والشراء فيهجره الناس فإذا هجروه تاب من هذا ورجع وندم ورجل ثان يتعامل بالربا فيهجره الناس ولا يسلمون عليه ولا يكلموه فإذا عرف هذا خجل من نفسه وعاد إلى صوابه .
أما إذا كان الهجر لا يفيد ولا ينفع وهو من أجل معصية لا من أجل كفر لأن الكافر المرتد يهجر على كل حال - أفاد أم لم يفد - لكن صاحب المعصية التي دون الكفر إذا لم يكن في هجره مصلحة فإنه لا يحل هجره لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ومن المعلوم أن المعاصي التي دون الكفر عند أهل السنة والجماعة لا تخرج من الإيمان فيبقى النظر هل الهجر يفيد أم لا، فإن أفاد فإنه يهجر ودليل ذلك قصة كعب بن مالك، وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع رضي الله عنهم الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فهجرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر المسلمين بهجرهم لكنهم انتفعوا في ذلك انتفاعاً عظيماً، ولجؤوا إلى الله وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه فتابوا وتاب الله عليهم .
هذه أنواع الهجرة: هجرة المكان، وهجرة العمل، وهجرة العامل .[/color]

رامي الهندي 04-12-2011 01:10 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
_وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) متفق على صحته .
رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري رضي الله عنهما في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة .

[color="rgb(154, 205, 50)"]الشَّرْحُ

لما كان هذا الباب في الإخلاص لله، وأنه ينبغي أن تكون النية المخلصة لله في كل قول وفي كل فعل وعلى كل حال وذكر المؤلف من الآيات ما يتعلق بهذا المعنى، ذكر رحمه الله من الأحاديث ما يتعلق به أيضاً، وصدر هذا بحديث عمر بن الخطاب الذي قال فيه سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى هاتان الجملتان اختلف العلماء - رحمهم الله - فيهما، فقال بعض العلماء إنهما جملتان بمعنى واحد، وأن الجملة الثانية تأكيد للجملة الأولى .
ولكن هذا ليس بصحيح وذلك لأن الأصل في الكلام أن يكون تأسيساً لا تأكيداً .
ثم إنهما عند التأمل يتبين أن بينهما فرقاً عظيماً، فالأولى سبب، والثانية نتيجة .
الأولى سبب يبين فيها النبي صلى الله عليه وسلم أن كل عمل لابد فيه من نية كل عمل يعمله الإنسان وهو عاقل مختار فلابد فيه من نية ولا يمكن لأي عاقل مختار أن يعمل عملاً إلا بنية .
حتى قال بعض العلماء: لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق وهذا صحيح، كيف تعمل وأنت عاقل في عقلك وأنت مختار غير مكره عملاً بلا نية ؟ هذا مستحيل لأن العمل ناتج عن إرادة وقدرة، والإرادة هي النية، إذا فالجملة الأولى معناها أنه ما من عامل إلا وله نية ولكن النيات تختلف اختلافاً عظيما وتتباين تبايناً بعيداً كما بين السماء والأرض .
من الناس من نيته في القمة في أعلى شيء ومن الناس من نيته في القمامة في أخس شيء وأدنى شيء .
حتى إنك لترى الرجلين يعملان عملاً واحداً يتفقان في ابتدائه وانتهائه وفي أثنائه وفي الحركات والسكنات والأقوال والأفعال، وبينهما كما بين السماء والأرض كل ذلك باختلاف النية .
إذاً الأساس أنه: ما من عمل بلا نية .
نتيجة قوله: [color="rgb(154, 205, 50)"]وإنما لكل امرئ ما نوى[/color] إن نويت الله والدار الآخرة في أعمالك الشرعية حصل لك ذلك، وإن نويت الدنيا فقد تحصل وقد لا تحصل .
قال الله: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ما قال عجلنا له ما يريد بل قال ما نشاء أي لا ما يشاء هو لمن نريد لا لكل إنسان فقيد المعجل والمعجل له .
إذاًَ من الناس من يعطى ما يريد من الدنيا ومنهم من يعطى شيئاً منه ومنهم من لا يعطى شيئاً أبداً .
هذا معنى قوله { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } أما { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً } لابد أن يجني هذا العمل الذي أراد به وجه الله والدار الآخرة .
وقوله: إنما الأعمال بالنيات ..
إلخ هذه ميزان لكل عمل، لكنه ميزان الباطن وقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ميزان للأعمال الظاهرة .
ولهذا قال أهل العلم: هذان الحديثان يجمعان الدين كله ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً يطبق هذا الحديث عليه، قال فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه الهجرة: أن ينتقل الإنسان من دار الكفر إلى دار الإسلام، مثل أن يكون في أمريكا - وأمريكا دار كفر - فيسلم ولا يتمكن من إظهار دينه هناك، فينتقل إلى البلاد الإسلامية هذه هي الهجرة .
إذا هاجر الناس، فهم يختلفون في الهجرة، منهم من يهاجر ويدع بلده إلى الله ورسوله، يعني إلى شريعة الله التي شرعها الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم هذا هو الذي ينال الخير، وينال مقصوده ولهذا قال: فهجرته إلى الله ورسوله أي فقد أدرك ما نوى.
[color="rgb(154, 205, 50)"]الثاني: [/color]هاجر لدنيا يصيبها، مثلاً رجل يحب جمع المال فسمع أن في بلاد الإسلام مرتعاً خصباً لاكتساب الأموال فهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام فقط، لا يقصد أن يستقيم على دينه ولا يهتم لدينه، إنما همه المال .
[color="rgb(154, 205, 50)"]ثالثاً[/color]: رجل هاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام يريد امرأة يتزوجها قيل له لا نزوجك إلى في بلاد الإسلام ولا تسافر بها إلى بلاد الكفر، فهاجر من بلده إلى بلاد الإسلام من أجل المرأة .
فمريد الدنيا ومريد المرأة لم يهاجر إلى الله ورسوله، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: فهجرته إلى ما هاجر إليه وهنا قال: إلى ما هاجر إليه ولم يقل فهجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فلماذا ؟ قيل لطول الكلام، فإذا قيل فهجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها طال الكلام وقيل بل لم ينص عليهما احتقاراً وإعراضاًَ عن ذكرهما لأنها نية فاسدة منحطة .
وعلى كل حال فإن هذا الذي نوى بهجرته الدنيا أو المرأة لاشك أن نيته سافلة منحطة هابطة بخلاف الأول الذي هاجر إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
أقسام الهجرة: الهجرة تكون للعمل، وتكون للعامل، وتكون للمكان .
القسم الأول: هجرة المكان: فأن ينتقل الإنسان من مكان تكثر فيه المعاصي ويكثر فيه الفسوق وربما يكون بلد كفر إلى بلد لا يوجد فيه ذلك .
وأعظمه الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وقد ذكر أهل العلم أنه تجب الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يظهر دينه .
وأما إذا كان قادراً على إظهار دينه ولا يعارض إذا أقام شعائر الإسلام فإن الهجرة لا تجب عليه ولكنها تستحب، وبناء على ذلك يكون السفر إلى بلد الكفر أعظم من البقاء فيه، فإذا كان بلد الكفر الذي كان وطن الإنسان إذا لم يستطع إقامة دينه فيه وجب عليه مغادرته والهجرة منه .
فكذلك إذا كان الإنسان من أهل الإسلام ومن بلاد المسلمين فإنه لا يجوز له أن يسافر إلى بلد الكفر لما في ذلك من الخطر على دينه وعلى أخلاقه ولما في ذلك من إضاعة ماله ولما في ذلك من تقوية اقتصاد الكفار ونحن مأمورون بأن نغيظ الكفار بكل ما نستطيع كما قال الله تبارك تعالى: { يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين } وقال تعالى: { ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين } فالكافر أياً كان، سواء كان من النصارى أو من اليهود أو من الملحدين، وسواء تسمى بالإسلام أو لم يتسم بالإسلام، الكافر عدو لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين جميعاً، مهما تلبس بما يتلبس به فإنه عدو .
فلا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلد الكفر إلا بشروط ثلاثة:
الشرط الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات، لأن الكفار يوردون على المسلمين شبهاً في دينهم وفي رسولهم وفي كتابهم وفي أخلاقهم، في كل شيء يوردون الشبهة ليبقى الإنسان شاكاً متذبذباً، ومن المعلوم أن الإنسان إذا شك في الأمور التي يجب فيها اليقين فإنه لم يقم بالواجب، فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره يجب أن يكون يقيناً فإن شك الإنسان في شيء من ذلك فهو كافر .
فالكفار يدخلون على المسلمين الشك حتى أن بعض زعمائهم صرح قائلاً: لا تحاولوا أن تخرجوا المسلم من دينه إلى دين النصارى ولكن يكفي أن تشككوه في دينه، لأنكم إذا شككتموه في دينه سلبتموه الدين وهذا كاف .
أنتم أخرجوه من هذه الحظيرة التي فيها العزة والغلبة والكرامة ويكفي، أما أن تحاولوا أن تدخلوه في دين النصارى المبني على الضلال والسفاهة فهذا لا يمكن، لأن النصارى ضالون كما جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان فدين المسيح دين حق لكنه دين الحق في وقته قبل أن ينسخ برسالة النبي صلى الله عليه وسلم .
الشرط الثاني: أن يكون عنده دين يحميه من الشهوات لأن الإنسان الذي ليس عنده دين إذا ذهب إلى بلاد الكفر انغمس لأنه يجد زهرة الدنيا هناك، من خمر وزنى ولواط وغير ذلك .
[color="rgb(154, 205, 50)"]الشرط الثالث:[/color] أن يكون محتاجاً إلى ذلك مثل أن يكون مريضاً يحتاج إلى السفر إلى بلاد الكفر للاستشفاء، أو يكون محتاجاً إلى علم لا يوجد في بلاد الإسلام تخصص فيه فيذهب إلى هناك أو يكون الإنسان محتاجاً إلى تجارة، يذهب ويتجر ويرجع المهم أن يكون هناك حاجة ولهذا أرى أن الذين يسافرون إلى بلد الكفر من أجل السياحة فقط أرى أنهم آثمون، وأن كل قرش يصرفونه لهذا السفر فإنه حرام عليهم وإضاعة لمالهم وسيحاسبون عنه يوم القيامة حين لا يجدون مكاناً يتفسحون فيه أو يتنزهون فيه .
حين لا يجدون إلا أعمالهم لأن هؤلاء يضيعون أوقاتهم ويتلفون أموالهم ويفسدون أخلاقهم وكذلك ربما يكون معهم عوائلهم، ومن عجب أن هؤلاء يذهبون إلى بلاد الكفر التي لا يسمع فيها صوت مؤذن ولا ذكر ذاكر وإنما يسمع فيها أبواق اليهود ونواقيس النصارى ثم يبقون فيها مدة هم وأهلوهم وبنوهم وبناتهم فيحصل في هذا شر كثير نسأل الله العافية والسلامة .
وهذا من البلاء الذي يحل الله به النكبات والنكبات التي تأتينا والتي نحن الآن نعيشها كلها بسبب الذنوب والمعاصي، كما قال الله: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } نحن غافلون في بلادنا كأن ربنا غافل عنا كأنه لا يعلم، كأنه لا يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته .
والناس يعصرون في هذه الحوادث ولكن قلوبهم قاسية والعياذ بالله وقد قال الله سبحانه: { ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون } أخذهم العذاب ونزل بهم ومع ذلك ما استكانوا إلى الله وما تضرعوا إليه بالدعاء وما خافوا من سطوته، لكن قست القلوب نسأل الله العافية وماتت حتى أصبحت الحوادث المصيرية تمر على القلب وكأنها ماء بارد .
نعوذ بالله من موت القلب وقسوته وإلا لو كان الناس في عقل وصحوة وفي قلوب حية ما ساروا على هذا الوضع الذي عليه نحن الآن مع أننا في وضع نعتبر أننا في حال حرب مدمرة مهلكة، حرب غازات الأعصاب والجنود وغير ذلك ومع هذا لا تجد أحداً حرك ساكناً إلا أن يشاء الله .
إن أناساً في هذه الظروف العصيبة ذهبوا بأهليهم يتنزهون في بلاد الكفر وفي بلاد الفسق وفي بلاد المجون والعياذ بالله .
أقول مرة ثانية إن الهجرة من بلد الكفر الذي لا يستطيع أن يقيم الإنسان فيه دينه واجبة .
والسفر إلى بلاد الكفر للدعوة يجوز إذا كان له أثر وتأثير هناك فإنه جائز لأنه سفر لمصلحة، وبلاد الكفر كثير من عوامهم قد عمي عليهم الإسلام لا يدرون عن الإسلام شيئاً بل قد ضللوا وقيل لهم إن الإسلام دين وحشية وهمجية ورعاع ولا سيما إذا سمع الغرب هذه الحوادث التي جرت على يد أناس يقولون إنهم مسلمون سيقولون أين الإسلام ؟ هذه وحشية فينفرون من الإسلام بسبب المسلمين وأفعالهم، نسأل الله أن يهدينا أجمعين .
القسم الثاني: هجرة العمل، وهي أن يهجر الإنسان ما نهاه الله عنه من المعاصي والفسوق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه فاهجر كل ما حرم الله عليك سواء كان مما يتعلق بحقوق الله أو مما يتعلق بحقوق عباد الله فتهجر السب والشتم والقتل والغش وأكل المال بالباطل وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وكل شيء حرم الله تهجره، حتى لو أن نفسك دعتك إلى هذا وألحت عليك فذكرها أن الله حرم ذلك حتى تهجره وتبعد عنه .
القسم الثالث: هجرة العامل، فالعامل قد تجب هجرته أحياناً، قال أهل العلم: مثل الرجل المجاهر بالمعصية الذي لا يبالي بها فإنه يشرع هجره إذا كان في هجره فائدة ومصلحة .
والمصلحة والفائدة أنه إذا هجر عرف قدر نفسه ورجع عن المعصية .
ومثال ذلك: رجل معروف بالغش بالبيع والشراء فيهجره الناس فإذا هجروه تاب من هذا ورجع وندم ورجل ثان يتعامل بالربا فيهجره الناس ولا يسلمون عليه ولا يكلموه فإذا عرف هذا خجل من نفسه وعاد إلى صوابه .
أما إذا كان الهجر لا يفيد ولا ينفع وهو من أجل معصية لا من أجل كفر لأن الكافر المرتد يهجر على كل حال - أفاد أم لم يفد - لكن صاحب المعصية التي دون الكفر إذا لم يكن في هجره مصلحة فإنه لا يحل هجره لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ومن المعلوم أن المعاصي التي دون الكفر عند أهل السنة والجماعة لا تخرج من الإيمان فيبقى النظر هل الهجر يفيد أم لا، فإن أفاد فإنه يهجر ودليل ذلك قصة كعب بن مالك، وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع رضي الله عنهم الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فهجرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر المسلمين بهجرهم لكنهم انتفعوا في ذلك انتفاعاً عظيماً، ولجؤوا إلى الله وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه فتابوا وتاب الله عليهم .
هذه أنواع الهجرة: هجرة المكان، وهجرة العمل، وهجرة العامل .[/color]

السعدي الذوادي 04-12-2011 01:29 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
بارك الله فيك وجزاك الله خير
والله يرحم العلامة العثيمين

رامي الهندي 05-12-2011 11:01 AM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم قالت: قلت يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم ؟ قال، يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم ) متفق عليه، هذا لفظ البخاري .

الشَّرْحُ
قوله: يغزو جيش الكعبة الكعبة المشرفة حماها الله وأنقذها من كل شر .
هذه الكعبة هي بيت الله بناه إبراهيم وابنه إسماعيل، وكانا يرفعان القواعد من البيت ويقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم هذا البيت أراد أبرهة أن يغزوه من اليمن فغزاه بجيش عظيم في مقدمه فيل عظيم يريد أن يهدم به الكعبة بيت الله فلما قرب من الكعبة ووصل إلى مكان يقال له المغمس حرن الفيل، وأبى أن يتقدم فجعلوا ينهرونه ليتقدم إلى الكعبة فأبى، فإذا صرفوا نحو اليمن هرول وأسرع ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام في غزوة الحديبية لما أن ناقته حرنت وأبت أن تمشي فقال الصحابة: خلأت القصواء، خلأت القصواء - يعني حرنت وبركت من غير علة - قال الرسول صلى الله عليه وسلم: والله ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ,النبي عليه الصلاة والسلام يدافع عن بهيمة، لأن الظلم لا ينبغي ولو على البهائم ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق - أي عادة بل حبسها حابس الفيل وحابس الفيل: هو الرب سبحانه وتعالى: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم عليها .
المهم أن الكعبة غزيت من قبل اليمن في جيش عظيم يقوده هذا الفيل العظيم ليهدم الكعبة فلما وصلوا إلى المغمس أبى الفيل أن يمشي وحرن فانتهروه ولكن لا فائدة فبقوا هناك وانحبسوا فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل، والأبابيل: الجماعات الكثيرة من الطيور وكل طير يحمل حجراً قد أمسكه برجله ثم يرسله على الواحد منهم حتى يضربه مع هامته حتى يخرج إلى دبره: { فجعلهم كعصف مأكول } كأنهم زرع أكلته البهائم، واندكوا في الأرض، وفي هذا يقول أمية بن الصلت:
حبس الفيل بالمغمس حتى ...صار يحبوا كأنه معقور

فحمى الله عز وجل بيته من كيد هذا الملك الظالم الذي جاء لكي يهدم بيت الله وقد قال الله عز وجل: { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } في آخر الزمان يغزو قوم الكعبة، جيش عظيم .
وقوله: حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض أي: بأرض واسعة، خسف الله بأولهم وآخرهم .
خسفت بهم الأرض وساخوا فيها هم وأسواقهم وكل من معهم .
وفي هذا دليل على أنهم جيش عظيم لأن معهم أسواقهم للبيع والشراء وغير ذلك .
فيخسف الله بأولهم وآخرهم .
لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا ورد على خاطر عائشة رضي الله عنها سؤال: كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم ؟ أسواقهم الذين جاءوا للبيع والشراء ليس لهم قصد سيئ في غزو الكعبة وفيهم أناس ليسوا منهم تبعوهم من غير أن يعلموا بخطتهم فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يخسف بأولهم وآخرهم وأسواقهم ومن ليس منهم ثم يبعثون يوم القيامة على نياتهم كل له ما نوى .
هذا فرد من أفراد قول الرسول عليه الصلاة والسلام: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى وفي هذا الحديث عبرة: أن من شارك أهل الباطل وأهل البغي والعدوان فإنه يكون معهم في العقوبة الصالح والطالح، العقوبة إذا وقعت تعم ولا تترك أحداً ثم يوم القيامة يبعثون على نياتهم .
يقول الله عز وجل: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب } والشاهد من هذا الحديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ثم يبعثون على نياتهم فهو كقوله: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .

رامي الهندي 06-12-2011 05:29 AM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض وفي رواية إلا شركوكم في الأجر رواه مسلم .

ورواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال:إن أقواماً خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا، حبسهم العذر .


الشَّرْحُ


قوله: في غزاة أي في غزوة .
فمعنى الحديث أن الإنسان إذا نوى العمل الصالح ولكنه حبسه عنه حابس فإنه يكتب له الأجر، أجر ما نوى .
أما إذا كان يعمله في حال عدم العذر، أي لما كان قادراً كان يعمله ثم عجز عنه فيما بعد فإنه يكتب له أجر العمل كاملاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً .

فالمتمني للخير، الحريص عليه إن كان من عادته أنه كان يعمله ولكنه حبسه عنه حابس، كتب له أجره كاملاً .

فمثلاً: إذا كان الإنسان من عادته أن يصلي مع الجماعة في المسجد ولكنه حبسه حابس كنوم أو مرض أو ما أشبه فإنه يكتب له أجر المصلي مع الجماعة تماماً من غير نقص .

وكذلك إذا كان من عادته أن يصلي تطوعاً ولكنه منعه منه مانع ولم يتمكن منه فإنه يكتب له أجره كاملاً، وغيره من الأمثلة الكثيرة .
أما إذا كان ليس من عادته أن يفعله فإنه يكتب له أجر النية فقط دون أجر العمل .

ودليله: أن فقراء الصحابة رضي الله عنهم قالوا: يا رسول الله سبقنا أهل الدثور بالأجور والنعيم المقيم - يعني أن أهل الأموال سبقوهم بالصدقة والعتق - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد إلا من عمل مثل ما عملتم فقال: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ففعلوا فعلم الأغنياء بذلك ففعلوا مثلما فعلوا .
فجاء الفقراء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم
، ولم يقل لهم إنكم قد أدركتم أجر عملهم لكن لاشك أن لهم أجر نية العمل .

ولهذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام فيمن آتاه الله مالاً فجعل ينفقه في سبل الخير وكان رجل فقير يقول لو أن لي مال فلان لعملت فيه عمل فلان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فهو بنيته فهما في الأجر سواء .

أي: سواء في أجر النية أما العمل فإنه لا يكتب له أجره إلا إن كان من عادته أن يعمله .
وفي هذا الحديث: إشارة إلى أن من خرج في سبيل الله في الغزو والجهاد، فإنه له أجر ممشاه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً ولا شعباً إلا وهم معكم .

ويدل لهذا قوله تعالى: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ونظير هذا: أن الرجل إذا توضأ في بيته فأسبغ الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة فإنه لا يخطو خطوة إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة .

وهذا من فضل الله عز وجل أن تكون وسائل العمل فيها هذا الأجر الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم والله الموفق .

رامي الهندي 07-12-2011 05:39 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم رواه مسلم .

الشَّرْحُ
وقوله: ولكن ينظر إلى قلوبكم وفي لفظ: قلوبكم وأعمالكم هذا الحديث يدل على ما يدل عليه قول الله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم فالله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى العباد إلى أجسامهم هل هي كبيرة أو صغيرة أو صحيحة أو سقيمة ولا ينظر إلى الصور هل هي جميلة أو ذميمة .
كل هذا ليس بشيء عند الله، وكذلك لا ينظر إلى الأنساب هل هي رفيعة أو دنيئة، ولا ينظر إلى الأموال ولا ينظر إلى شيء من هذا أبداً .
ليس بين الله وبين خلقه صلة إلا بالتقوى، فمن كان لله أتقى كان من الله أقرب وكان عند الله أكرم إذن لا تفخر بمالك ولا بجمالك ولا ببدنك ولا بأولادك ولا بقصورك ولا بسيارتك ولا بشيء من هذه الدنيا أبداً، إنما إذا وفقك الله للتقوى فهذا من فضل الله عليك فاحمد الله عليه .
واعلم أن الأعمال بالنيات، والقلوب هي التي عليها المدار .
كم من إنسان ظاهر عمله أنه صحيح وجيد وصالح لكن لما بني على خراب صار خراباً .
النية هي الأصل، تجد رجلين يصليان في صف واحد مقتدين بإمام واحد يكون بين صلاتيهما كما بين المشرق والمغرب، لأن القلب مختلف أحدهما قلبه غافل بل، وربما يكون مرائياً في صلاته والعياذ بالله يريد بها الدنيا، الآخر قلبه يريد بصلاته وجه الله واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فبينهما فرق عظيم، فالعلم على ما في القلب، وعلى ما في القلب يكون الجزاء يوم القيامة كما قال سبحانه: { إنه على رجعه لقادر، يوم تبلى السرائر } أي: تختبر السرائر لا الظواهر في الدنيا الحكم بين الناس على الظاهر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما أقضي بنحو ما أسمع لكن في الآخرة العلم على ما في السرائر نسأل الله أن يطهر سرائرنا وإياكم .
فإذا كانت السريرة جيدة صحيحة فأبشر بالخير وإن كانت الأخرى فقدت الخير كله وقال الله عز وجل: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور } فالعلم على ما في القلب .
وإذا كان الله في كتابه، وكان رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته يؤكدان على إصلاح النية فالواجب على الإنسان أن يصلح نيته، يصلح قلبه، ينظر ما في قلبه من الشك فيزيله إلى اليقين كيف ذلك ؟ يكون ذلك نظره إلى الآيات قال الله عز وجل: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } وقال { إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين، وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون } فأنت انظر لآيات الله .
إذا ألقى الشيطان في قلبك الشك فانظر في آيات الله، انظر إلى هذا الكون من يدبره، انظر كيف تتغير الأحوال كيف يداول الله الأيام بين الناس حتى تعلم أن لهذا الكون مدبراً حكيماً عز وجل .
الشرك طهر قلبك منه، كيف أطهر نفسي منه ؟ أطهر قلبي بأن أقول لنفسي إن الناس لا ينفعوني إن عصيت الله ولا ينقذوني من العقاب وإن أطعت الله لم يجلبوا إلي الثواب .
فالذي يجلب الثواب ويدفع العقاب هو الله، إذا كان الأمر كذلك فلماذا تشرك بالله عز وجل، لماذا تنوي بعبادتك أن تتقرب إلى الخلق ولهذا من تقرب إلى الخلق بما يتقرب به إلى الله ابتعد الله عنه وابتعد عنه الخلق .
يعنى لا يزيده تقربه إلى الخلق بما يقربه إلى الله إلا بعداً من الله ومن الخلق، لأن الله إذا رضي عنك أرضى الناس عنك وإذا سخط عليك أسخط عليك الناس نعوذ بالله من سخطه ومن عقابه .
المهم يا أخي عالج القلب دائماً، كن دائما في غسيل للقلب حتى يطهر كما قال الله عز وجل: { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } فتطهير القلب أمر مهم جداً أسأل الله أن يطهر قلبي وقلوبكم وأن يجعلنا له مخلصين ولرسوله متبعين .

رامي الهندي 09-12-2011 07:37 AM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 

باب التوبة

قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط:
أحدها: أن يقلع عن المعصية .
والثاني: أن يندم على فعلها .
والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته .
وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة:
هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها: فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه وإن كانت غيبة استحله منها ويجب أن يتوب من جميع الذنوب فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي وقد تظاهرت دلائل الكتاب، والسن، وإجماع الأمة على وجوب التوبة:
قال الله تعالى { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } وقال تعالى { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً }

الشَّرْحُ
التوبة لغة: من تاب يتوب إذا رجع، وشرعاً الرجوع من معصية الله تعالى إلى طاعته .
وأعظمها وأوجبها التوبة من الكفر إلى الإيمان قال الله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ثم يليها التوبة من كبائر الذنوب .
ثم المرتبة الثالثة التوبة من صغائر الذنوب .
والواجب على المرء، أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من كل ذنب وللتوبة شروط ثلاثة كما قال المؤلف - رحمه الله - ولكنها بالتتبع تبلغ خمسة:
الشرط الأول: الإخلاص له، بأن يكون قصد الإنسان بتوبته وجه الله عز وجل لأن يتوب الله عليه، ويتجاوز عما فعل من المعصية لا يقصد بذلك مراءة الناس والتقرب إليهم، ولا يقصد بذلك دفع الأذية من السلطان وولي الأمر .
وإنما يقصد بذلك وجه الله والدار الآخرة وأن يعفو الله عن ذنوبه .
الشرط الثاني: الندم على ما فعل من المعصية لأن شعور الإنسان بالندم هو الذي يدل على أنه صادق في التوبة، يعني بمعنى أن يتحسر على ما سبق منه، وينكسر من أجله ولا يرى أنه في حل منه حتى يتوب منه إلى الله .
الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب الذي هو فيه وهذا من أهم شروطه، والإقلاع عن الذنب إن كان الذنب ترك واجب فالإقلاع عنه بفعله مثل أن يكون شخص لا يزكي فأراد أن يتوب إلى الله فلابد من أن يخرج الزكاة التي مضت ولم يؤدها .
إذا كان الإنسان مقصراً في بر الوالدين فإنه يجب عليه أن يقوم ببرهما .
إذا كان مقصراً في صلة الرحم فإنه يجب عليه أن يصل الرحم وإن كانت المعصية بفعل محرم فالواجب أن يقلع عنه فوراً ولا يبقى فيه ولا لحظة .
إذا كان مثلا من آكلي الربا فالواجب أن يتخلص من الربا بتركه والبعد عنه وإخراج ما اكتسبه عن طريق الربا .
إذا كان المعصية بالغش والكذب على الناس وخيانة الأمانة، فالواجب أن يقلع عن ذلك، وإذا كان اكتسب مالا من هذا الطريق المحرم فالواجب عليه أن يرده إلى صاحبه أو يستحله منه .
إذا كانت غيبة فالواجب أن يقلع عن غيبة الناس والتكلم في أعراضهم، أما أنه يقول إنه تائب إلى الله وهو مصر على ترك الواجب أو مصر على فعل المحرم، فإن هذه التوبة غير مقبولة بل إن هذه التوبة كالاستهزاء بالله عز وجل، كيف تتوب إلى الله عز وجل وأنت مصر على معصيته .
لو أنك تعامل بشراً من الناس، تقول أنا تبت إليك وأنا نادم لا أعود ثم في نيتك وقلبك أنك ستعود وعدت فإن هذه سخرية بالرجل فكيف بالله رب العالمين فالإنسان التائب حقيقة هو الذي يقلع عن الذنب .
من الغريب أن بعض الناس تجلس إليه، وتجده يتأوه من وجود الربا وهو في نفسه يرابي والعياذ بالله .
أو يتأوه من الغيبة وأكل لحوم الناس وهو من أكثر الناس غيبة نسأل الله العافية أو يتأوه من الكذب وضياع الأمانة عند الناس، وهو من أكذب الناس وأضيعهم للأمانة .
على كل حال الإنسان لابد أن يقلع عن الذنب الذي تاب منه فإن لم يقلع فتوبته مردودة ولا تنفعه عند الله عز وجل والإقلاع عن الذنب إما أن يكون إقلاعاً عن ذنب يتعلق بحق الله عز وجل فهذا يكفي أن تتوب بينك وبين ربك ولا ينبغي بل قد نقول لا يجوز أن تحدث الناس بما صنعت من المحرم أو ترك الواجب .
لأن هذا بينك وبين الله فإذا كان الله قد من عليك بالستر، وسترك عن العباد فلا تحدث أحداً بما صنعت إذا تبت إلى الله وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كل أمتي معافى إلا المجاهرين ومن المجاهرة كما جاء في الحديث أن يفعل الذنب ثم يصبح يحدث به الناس يقول فعلت كذا وكذا .
إلا أن بعض العلماء قال: إذا فعل الإنسان ذنبا فيه حد فإنه لا بأس أن يذهب إلى الإمام الذي يقيم الحدود مثل الأمير ويقول إنه فعل الذنب الفلاني ويريد أن يطهره منه، ومع ذلك فالأفضل أن يستر على نفسه .
يعني يباح له أن يذهب إلى ولي الأمر إذا فعل معصية فيها حد كالزنا مثلاً فيقول إنه فعل كذا كذا يطلب إقامة الحد عليه لأن الحد كفارة للذنب .
أما المعاصي الأخرى فاسترها على نفسك كما سترها الله وكذلك الزنا وشبهه استره على نفسك - بالنسبة لغير ولي الأمر - لا تفضح نفسك .
ما دمت أنك تبت فيما بينك وبين الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات .
أما إذا كان الذنب بينك وبين الخلق فإن كان مالا فلابد أن تؤديه إلى صاحبه ولا تقبل التوبة إلا بأدائه مثل أن تكون سرقت مثلا من شخص وتبت من هذا فلابد أن توصل المسروق إلى المسروق منه .
جحدت حقاً لشخص كأن يكون في ذمتك دين لإنسان وأنكرته عليه وتقر عنده وتعترف حتى يأخذ حقه .
فإن كان قد مات فإنك تعطيه ورثته فإن لم تعرفه أو غاب عنك هذا الرجل ولم تعرف له مكاناً فتصدق به عنه تخلصا منه والله سبحانه وتعالى يعلمه ويؤديه إليه .
أما إذا كانت المعصية التي فعلتها مع البشر ضرباً وما أشبه فاذهب إليه ومكنه من أن يضربك مثل ما ضربته إن كان على الظهر فعلى الظهر وإن كان على الرأس فعلى الرأس أو في أي مكان ضربته فليقتص منك لقول الله سبحانه { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ولقوله { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وإن كان بقول أي أذية بالقول، مثل أن تكون قد سببته بين الناس ووبخته وعيرته فلابد أن تذهب إليه وتستحل منه بما تتفقان عليه حتى لو قال لا أسمح لك إلا بكذا وكذا من الدراهم فأعطه .
الرابع: أن يكون الحق غيبة، يعني أنك تكلمت به في غيبته وقدحت فيه عند الناس وهو غائب .
فهذه اختلف فيها العلماء فمنهم من قال لابد أن تذهب إليه تقول له يا فلان إني تكلمت فيك عند الناس فأرجوك أن تسمح عنى وتحللني وقال بعض العلماء لا تذهب إليه بل فيه تفصيل إن كان قد علم بهذه الغيبة فلابد أن تذهب إليه وتستحله، وإن لم يكن علم فلا تذهب إليه واستغفر له وتحدث بمحاسنه في المجالس التي كنت تغتابه فيها فإن الحسنات يذهبن السيئات وهذا القول أصح وهو أن الغيبة إذا كان صاحبها لا يعلم بأنك اغتبته فإنه يكفي أن تذكره بمحاسنه في المجالس التي اغتبته فيها وأن تستغفر له تقول: اللهم اغفر له كما جاء في الحديث: كفارة من اغتبته أن تستغفر له فلابد من التوبة من أن تصل الحقوق إلى أهلها .
أما الشرط الرابع فهو العزم على أن لا تعود في المستقبل إلى هذا العمل فإن كنت تنوي أن تعود إليه عندما تسمح لك الفرصة فإن التوبة لا تصح مثل: رجل كان والعياذ بالله يستعين بالمال على معصية الله يشتري به المسكرات يذهب إلى البلدان من أجل الزنا والعياذ بالله والسكر فأصيب بفقر وقال: اللهم إني تبت إليك وهو كاذب، وهو في نيته أنه إذا عادت الأمور إلى مجاريها الأولى فعل فعله الأول .
فهذه توبة عاجز، تبت أم لم تتب لست بقادر على فعل المعصية لأنه يوجد بعض الناس يصاب بفقر فيقول تركت الذنوب، لكن يحدث قلبه أنه لو عاد إليه ما افتقده لعاد إلى المعصية مرة ثانية فهذه توبة غير مقبولة .
الشرط الخامس: أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة فإن تاب في زمن لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه التوبة وذلك على نوعين:
النوع الأول باعتبار كل إنسان بحسبه .
والنوع الثاني باعتبار العموم .
أما الأول: فلابد أن تكون التوبة قبل حلول الأجل يعني الموت، فإن كان بعد حلول الأجل فإنها لا تنفع التائب لقول الله سبحانه { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن } هؤلاء ليس لهم توبة .
وقال تعالى { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون } فالإنسان إذا عاين الموت وحضره الأجل فهذا يعني أنه يسن من الحياة فتكون توبته في غير محلها بعد أن يئس من الحياة وعرف أنه لا بقاء له يذهب فيتوب هذه توبة اضطرار فلا تنفعه ولا تقبل منه لابد أن تكون التوبة سابقة .
النوع الثاني هو العموم فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها .
فإذا طلعت الشمس من مغربها لم تنفع أحداً توبة قال الله سبحانه { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً } وهذا البعض هو طلوع الشمس من مغربها كما فسر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام .
إذاً فلابد أن تكن التوبة في وقت تقبل فيه التوبة فإن لم تكن كذلك فلا توبة للإنسان ثم اختلف العلماء - رحمهم الله - هل تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره أو لا في هذا ثلاثة أقوال لأهل العلم :
1 - منهم من قال: إنها تصح التوبة من الذنب وإن كان مصراً على ذنب آخر، فتقبل توبته من هذا الذنب ويبقى الإثم عليه في الذنب الآخر بكل حال .
2 - ومنهم من قال: لا تقبل التوبة من الذنب مع الإصرار على ذنب آخر .
3 - ومنهم من فصل فقال: إن كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنه لا تقبل وإن لا قبلت .
مثال ذلك: رجل تاب من الربا ولكنه يزني والعياذ بالله أو يشرب الخمر ولنقل إنه يشرب الخمر، تاب من الربا ولكنه مصر على شرب الخمر .
فهناك من العلماء من قال إن توبته من الربا لا تقبل كيف يكون تائباً إلى الله وهو مصر على معصيته ؟ وقال بعض العلماء: بل تقبل لأن الربا شيء وشرب الخمر شيء آخر وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف - رحمه الله - وقال إنها تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره عند أهل الحق .
فهذا فيه الخلاف أما إذا كان من الجنس مثل أن يكون الإنسان والعياذ بالله مبتلى بالزنا ومبتلى بالاطلاع على النساء والنظر إليهن بشهوة ومات أشبه ذلك فهل تقبل توبته من الزنا وهو مصر على النظر إلى النساء لشهوة ؟ أو بالعكس ؟ هذا فيه أيضاً خلاف فمنهم من يقول: تصح ومنهم من يقول لا تصح التوبة .
ولكن الصحيح في هذه المسألة أن التوبة تصح من كل ذنب مع الإصرار على غيره لكن لا يعطى الإنسان اسم التائب على سبيل الإطلاق ولا يستحق المدح الذي يمدح به التائبون لأن هذا لم يتب توبة تامة بل توبة ناقصة .
تاب من هذا الذنب فيرتفع عنه إثمه، لكنه لا يستحق أن يوصف بالتوبة على سبيل الإطلاق فهذا هو القول الذي تطمئن إليه النفس أنه لا يعطى الوصف على سبيل الإطلاق ولا يحرم من التوبة التي تابها من هذا الذنب .
سبق أن المؤلف - رحمه الله - قال إن النصوص من الكتاب والسنة تظاهرت وتضافرت على وجوب التوبة من جميع المعاصي وصدق - رحمه الله - فإن الآيات كثيرة في الحث على التوبة وبيان فضلها وأجرها وكذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد بين الله في كتابه أنه سبحانه يحب التوابين ويحب المتطهرين، التوابون الذين يكثرون التوبة إلى الله عز وجل كلما أذنبوا تابوا إلى الله .
ذكر المؤلف من الآيات قول الله تعالى { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } هذه الجملة ختم الله بها آيتي وجوب غض البصر .
وهي قوله { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن } إلى قوله: { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } ففي هذه الآية: دليل على وجوب التوبة من عدم غض البصر وحفظ الفرج لأن غض البصر قصره وعدم إطلاقه ولأن ترك غض البصر وحفظ الفرج كل ذلك من أسباب الهلاك وأسباب الشقاء وأسباب البلاء وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء وإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء .
ولهذا كان أعداؤنا أعداء الإسلام بل أعداء الله ورسوله من اليهود والنصارى والمشركين والشيوعيين وأشباههم وأذنابهم وأتباعهم كل هؤلاء يحرصون غاية الحرص على أن يفتنوا المسلمين بالنساء يدعون إلى التبرج يدعون إلى اختلاط المرأة بالرجل يدعون إلى التفسخ في الأخلاق يدعون إلى ذلك بألسنتهم وأقلامهم وأعمالهم والعياذ بالله .
لأنهم يعلمون أن الفتنة العظيمة التي ينسى بها الإنسان ربه ودينه إنما تكون في النساء .
النساء اللاتي يفتن أصحاب العقول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن هل تريد شيئاً أبين من هذا .
أذهب للب الرجل الحازم فما بالك بالمهين الذي ليس عنده حزم ولا عزم ولا دين ولا رجولة يكون أشد وأشد والعياذ بالله .
لكن الرجل الحازم تذهب النساء عقله نسأل الله العافية وهذا هو الواقع لذلك قال الله عقب الأمر بغض البصر بقوله: { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } فيجب علينا أن نتواصى بالتوبة وأن يتفقد بعضنا بعضاً هل الإنسان تاب من ذنبه أو بقى مصراً عليه لأنه وجه الخطاب للجميع: { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون } وفي قوله: { لعلكم تفلحون } دليل على أن التوبة من أسباب الفلاح والفلاح كما قال أهل العلم بالتفسير وباللغة أنها كلمة جامعة يحصل بها المطلوب ويزول بها المرهوب .
وكل إنسان يطلب خير الدنيا والآخرة، حتى الكافر يريد الخير لكن من الناس من يوفق ومنهم من لا يوفق الكافر يريد الخير لكنه يريد خير الدنيا لأنه رجل بهيمي هو شر الدواب عند الله { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون } شر من كل دابة تدب على الأرض الكافر، ومع ذلك يريد الخير والرفاهية والتنعم بهذه الدنيا كلها أي الدنيا جنته والآخرة والعياذ بالله عذابه وناره .
المهم أن كل إنسان يريد الفلاح لكن حسب الهمة من أسباب الفلاح التوبة إلى الله عز وجل كما في الآية والله الموفق .

رامي الهندي 09-12-2011 07:37 AM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 

باب التوبة

قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط:
أحدها: أن يقلع عن المعصية .
والثاني: أن يندم على فعلها .
والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته .
وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة:
هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها: فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه وإن كانت غيبة استحله منها ويجب أن يتوب من جميع الذنوب فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي وقد تظاهرت دلائل الكتاب، والسن، وإجماع الأمة على وجوب التوبة:
قال الله تعالى { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } وقال تعالى { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً }

الشَّرْحُ
التوبة لغة: من تاب يتوب إذا رجع، وشرعاً الرجوع من معصية الله تعالى إلى طاعته .
وأعظمها وأوجبها التوبة من الكفر إلى الإيمان قال الله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ثم يليها التوبة من كبائر الذنوب .
ثم المرتبة الثالثة التوبة من صغائر الذنوب .
والواجب على المرء، أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من كل ذنب وللتوبة شروط ثلاثة كما قال المؤلف - رحمه الله - ولكنها بالتتبع تبلغ خمسة:
الشرط الأول: الإخلاص له، بأن يكون قصد الإنسان بتوبته وجه الله عز وجل لأن يتوب الله عليه، ويتجاوز عما فعل من المعصية لا يقصد بذلك مراءة الناس والتقرب إليهم، ولا يقصد بذلك دفع الأذية من السلطان وولي الأمر .
وإنما يقصد بذلك وجه الله والدار الآخرة وأن يعفو الله عن ذنوبه .
الشرط الثاني: الندم على ما فعل من المعصية لأن شعور الإنسان بالندم هو الذي يدل على أنه صادق في التوبة، يعني بمعنى أن يتحسر على ما سبق منه، وينكسر من أجله ولا يرى أنه في حل منه حتى يتوب منه إلى الله .
الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب الذي هو فيه وهذا من أهم شروطه، والإقلاع عن الذنب إن كان الذنب ترك واجب فالإقلاع عنه بفعله مثل أن يكون شخص لا يزكي فأراد أن يتوب إلى الله فلابد من أن يخرج الزكاة التي مضت ولم يؤدها .
إذا كان الإنسان مقصراً في بر الوالدين فإنه يجب عليه أن يقوم ببرهما .
إذا كان مقصراً في صلة الرحم فإنه يجب عليه أن يصل الرحم وإن كانت المعصية بفعل محرم فالواجب أن يقلع عنه فوراً ولا يبقى فيه ولا لحظة .
إذا كان مثلا من آكلي الربا فالواجب أن يتخلص من الربا بتركه والبعد عنه وإخراج ما اكتسبه عن طريق الربا .
إذا كان المعصية بالغش والكذب على الناس وخيانة الأمانة، فالواجب أن يقلع عن ذلك، وإذا كان اكتسب مالا من هذا الطريق المحرم فالواجب عليه أن يرده إلى صاحبه أو يستحله منه .
إذا كانت غيبة فالواجب أن يقلع عن غيبة الناس والتكلم في أعراضهم، أما أنه يقول إنه تائب إلى الله وهو مصر على ترك الواجب أو مصر على فعل المحرم، فإن هذه التوبة غير مقبولة بل إن هذه التوبة كالاستهزاء بالله عز وجل، كيف تتوب إلى الله عز وجل وأنت مصر على معصيته .
لو أنك تعامل بشراً من الناس، تقول أنا تبت إليك وأنا نادم لا أعود ثم في نيتك وقلبك أنك ستعود وعدت فإن هذه سخرية بالرجل فكيف بالله رب العالمين فالإنسان التائب حقيقة هو الذي يقلع عن الذنب .
من الغريب أن بعض الناس تجلس إليه، وتجده يتأوه من وجود الربا وهو في نفسه يرابي والعياذ بالله .
أو يتأوه من الغيبة وأكل لحوم الناس وهو من أكثر الناس غيبة نسأل الله العافية أو يتأوه من الكذب وضياع الأمانة عند الناس، وهو من أكذب الناس وأضيعهم للأمانة .
على كل حال الإنسان لابد أن يقلع عن الذنب الذي تاب منه فإن لم يقلع فتوبته مردودة ولا تنفعه عند الله عز وجل والإقلاع عن الذنب إما أن يكون إقلاعاً عن ذنب يتعلق بحق الله عز وجل فهذا يكفي أن تتوب بينك وبين ربك ولا ينبغي بل قد نقول لا يجوز أن تحدث الناس بما صنعت من المحرم أو ترك الواجب .
لأن هذا بينك وبين الله فإذا كان الله قد من عليك بالستر، وسترك عن العباد فلا تحدث أحداً بما صنعت إذا تبت إلى الله وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كل أمتي معافى إلا المجاهرين ومن المجاهرة كما جاء في الحديث أن يفعل الذنب ثم يصبح يحدث به الناس يقول فعلت كذا وكذا .
إلا أن بعض العلماء قال: إذا فعل الإنسان ذنبا فيه حد فإنه لا بأس أن يذهب إلى الإمام الذي يقيم الحدود مثل الأمير ويقول إنه فعل الذنب الفلاني ويريد أن يطهره منه، ومع ذلك فالأفضل أن يستر على نفسه .
يعني يباح له أن يذهب إلى ولي الأمر إذا فعل معصية فيها حد كالزنا مثلاً فيقول إنه فعل كذا كذا يطلب إقامة الحد عليه لأن الحد كفارة للذنب .
أما المعاصي الأخرى فاسترها على نفسك كما سترها الله وكذلك الزنا وشبهه استره على نفسك - بالنسبة لغير ولي الأمر - لا تفضح نفسك .
ما دمت أنك تبت فيما بينك وبين الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات .
أما إذا كان الذنب بينك وبين الخلق فإن كان مالا فلابد أن تؤديه إلى صاحبه ولا تقبل التوبة إلا بأدائه مثل أن تكون سرقت مثلا من شخص وتبت من هذا فلابد أن توصل المسروق إلى المسروق منه .
جحدت حقاً لشخص كأن يكون في ذمتك دين لإنسان وأنكرته عليه وتقر عنده وتعترف حتى يأخذ حقه .
فإن كان قد مات فإنك تعطيه ورثته فإن لم تعرفه أو غاب عنك هذا الرجل ولم تعرف له مكاناً فتصدق به عنه تخلصا منه والله سبحانه وتعالى يعلمه ويؤديه إليه .
أما إذا كانت المعصية التي فعلتها مع البشر ضرباً وما أشبه فاذهب إليه ومكنه من أن يضربك مثل ما ضربته إن كان على الظهر فعلى الظهر وإن كان على الرأس فعلى الرأس أو في أي مكان ضربته فليقتص منك لقول الله سبحانه { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ولقوله { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وإن كان بقول أي أذية بالقول، مثل أن تكون قد سببته بين الناس ووبخته وعيرته فلابد أن تذهب إليه وتستحل منه بما تتفقان عليه حتى لو قال لا أسمح لك إلا بكذا وكذا من الدراهم فأعطه .
الرابع: أن يكون الحق غيبة، يعني أنك تكلمت به في غيبته وقدحت فيه عند الناس وهو غائب .
فهذه اختلف فيها العلماء فمنهم من قال لابد أن تذهب إليه تقول له يا فلان إني تكلمت فيك عند الناس فأرجوك أن تسمح عنى وتحللني وقال بعض العلماء لا تذهب إليه بل فيه تفصيل إن كان قد علم بهذه الغيبة فلابد أن تذهب إليه وتستحله، وإن لم يكن علم فلا تذهب إليه واستغفر له وتحدث بمحاسنه في المجالس التي كنت تغتابه فيها فإن الحسنات يذهبن السيئات وهذا القول أصح وهو أن الغيبة إذا كان صاحبها لا يعلم بأنك اغتبته فإنه يكفي أن تذكره بمحاسنه في المجالس التي اغتبته فيها وأن تستغفر له تقول: اللهم اغفر له كما جاء في الحديث: كفارة من اغتبته أن تستغفر له فلابد من التوبة من أن تصل الحقوق إلى أهلها .
أما الشرط الرابع فهو العزم على أن لا تعود في المستقبل إلى هذا العمل فإن كنت تنوي أن تعود إليه عندما تسمح لك الفرصة فإن التوبة لا تصح مثل: رجل كان والعياذ بالله يستعين بالمال على معصية الله يشتري به المسكرات يذهب إلى البلدان من أجل الزنا والعياذ بالله والسكر فأصيب بفقر وقال: اللهم إني تبت إليك وهو كاذب، وهو في نيته أنه إذا عادت الأمور إلى مجاريها الأولى فعل فعله الأول .
فهذه توبة عاجز، تبت أم لم تتب لست بقادر على فعل المعصية لأنه يوجد بعض الناس يصاب بفقر فيقول تركت الذنوب، لكن يحدث قلبه أنه لو عاد إليه ما افتقده لعاد إلى المعصية مرة ثانية فهذه توبة غير مقبولة .
الشرط الخامس: أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة فإن تاب في زمن لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه التوبة وذلك على نوعين:
النوع الأول باعتبار كل إنسان بحسبه .
والنوع الثاني باعتبار العموم .
أما الأول: فلابد أن تكون التوبة قبل حلول الأجل يعني الموت، فإن كان بعد حلول الأجل فإنها لا تنفع التائب لقول الله سبحانه { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن } هؤلاء ليس لهم توبة .
وقال تعالى { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون } فالإنسان إذا عاين الموت وحضره الأجل فهذا يعني أنه يسن من الحياة فتكون توبته في غير محلها بعد أن يئس من الحياة وعرف أنه لا بقاء له يذهب فيتوب هذه توبة اضطرار فلا تنفعه ولا تقبل منه لابد أن تكون التوبة سابقة .
النوع الثاني هو العموم فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها .
فإذا طلعت الشمس من مغربها لم تنفع أحداً توبة قال الله سبحانه { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً } وهذا البعض هو طلوع الشمس من مغربها كما فسر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام .
إذاً فلابد أن تكن التوبة في وقت تقبل فيه التوبة فإن لم تكن كذلك فلا توبة للإنسان ثم اختلف العلماء - رحمهم الله - هل تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره أو لا في هذا ثلاثة أقوال لأهل العلم :
1 - منهم من قال: إنها تصح التوبة من الذنب وإن كان مصراً على ذنب آخر، فتقبل توبته من هذا الذنب ويبقى الإثم عليه في الذنب الآخر بكل حال .
2 - ومنهم من قال: لا تقبل التوبة من الذنب مع الإصرار على ذنب آخر .
3 - ومنهم من فصل فقال: إن كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنه لا تقبل وإن لا قبلت .
مثال ذلك: رجل تاب من الربا ولكنه يزني والعياذ بالله أو يشرب الخمر ولنقل إنه يشرب الخمر، تاب من الربا ولكنه مصر على شرب الخمر .
فهناك من العلماء من قال إن توبته من الربا لا تقبل كيف يكون تائباً إلى الله وهو مصر على معصيته ؟ وقال بعض العلماء: بل تقبل لأن الربا شيء وشرب الخمر شيء آخر وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف - رحمه الله - وقال إنها تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره عند أهل الحق .
فهذا فيه الخلاف أما إذا كان من الجنس مثل أن يكون الإنسان والعياذ بالله مبتلى بالزنا ومبتلى بالاطلاع على النساء والنظر إليهن بشهوة ومات أشبه ذلك فهل تقبل توبته من الزنا وهو مصر على النظر إلى النساء لشهوة ؟ أو بالعكس ؟ هذا فيه أيضاً خلاف فمنهم من يقول: تصح ومنهم من يقول لا تصح التوبة .
ولكن الصحيح في هذه المسألة أن التوبة تصح من كل ذنب مع الإصرار على غيره لكن لا يعطى الإنسان اسم التائب على سبيل الإطلاق ولا يستحق المدح الذي يمدح به التائبون لأن هذا لم يتب توبة تامة بل توبة ناقصة .
تاب من هذا الذنب فيرتفع عنه إثمه، لكنه لا يستحق أن يوصف بالتوبة على سبيل الإطلاق فهذا هو القول الذي تطمئن إليه النفس أنه لا يعطى الوصف على سبيل الإطلاق ولا يحرم من التوبة التي تابها من هذا الذنب .
سبق أن المؤلف - رحمه الله - قال إن النصوص من الكتاب والسنة تظاهرت وتضافرت على وجوب التوبة من جميع المعاصي وصدق - رحمه الله - فإن الآيات كثيرة في الحث على التوبة وبيان فضلها وأجرها وكذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد بين الله في كتابه أنه سبحانه يحب التوابين ويحب المتطهرين، التوابون الذين يكثرون التوبة إلى الله عز وجل كلما أذنبوا تابوا إلى الله .
ذكر المؤلف من الآيات قول الله تعالى { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } هذه الجملة ختم الله بها آيتي وجوب غض البصر .
وهي قوله { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن } إلى قوله: { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } ففي هذه الآية: دليل على وجوب التوبة من عدم غض البصر وحفظ الفرج لأن غض البصر قصره وعدم إطلاقه ولأن ترك غض البصر وحفظ الفرج كل ذلك من أسباب الهلاك وأسباب الشقاء وأسباب البلاء وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء وإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء .
ولهذا كان أعداؤنا أعداء الإسلام بل أعداء الله ورسوله من اليهود والنصارى والمشركين والشيوعيين وأشباههم وأذنابهم وأتباعهم كل هؤلاء يحرصون غاية الحرص على أن يفتنوا المسلمين بالنساء يدعون إلى التبرج يدعون إلى اختلاط المرأة بالرجل يدعون إلى التفسخ في الأخلاق يدعون إلى ذلك بألسنتهم وأقلامهم وأعمالهم والعياذ بالله .
لأنهم يعلمون أن الفتنة العظيمة التي ينسى بها الإنسان ربه ودينه إنما تكون في النساء .
النساء اللاتي يفتن أصحاب العقول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن هل تريد شيئاً أبين من هذا .
أذهب للب الرجل الحازم فما بالك بالمهين الذي ليس عنده حزم ولا عزم ولا دين ولا رجولة يكون أشد وأشد والعياذ بالله .
لكن الرجل الحازم تذهب النساء عقله نسأل الله العافية وهذا هو الواقع لذلك قال الله عقب الأمر بغض البصر بقوله: { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } فيجب علينا أن نتواصى بالتوبة وأن يتفقد بعضنا بعضاً هل الإنسان تاب من ذنبه أو بقى مصراً عليه لأنه وجه الخطاب للجميع: { وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون } وفي قوله: { لعلكم تفلحون } دليل على أن التوبة من أسباب الفلاح والفلاح كما قال أهل العلم بالتفسير وباللغة أنها كلمة جامعة يحصل بها المطلوب ويزول بها المرهوب .
وكل إنسان يطلب خير الدنيا والآخرة، حتى الكافر يريد الخير لكن من الناس من يوفق ومنهم من لا يوفق الكافر يريد الخير لكنه يريد خير الدنيا لأنه رجل بهيمي هو شر الدواب عند الله { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون } شر من كل دابة تدب على الأرض الكافر، ومع ذلك يريد الخير والرفاهية والتنعم بهذه الدنيا كلها أي الدنيا جنته والآخرة والعياذ بالله عذابه وناره .
المهم أن كل إنسان يريد الفلاح لكن حسب الهمة من أسباب الفلاح التوبة إلى الله عز وجل كما في الآية والله الموفق .

رامي الهندي 14-12-2011 05:01 AM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 


- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والله إني لأستغفر لله، وأتوب إليه، في اليوم أكثر من سبعين مرة رواه البخاري .
- وعن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم في اليوم مائة مرة رواه مسلم .

الشَّرْحُ

تقدم الكلام على ما ذكره المؤلف - رحمه الله - ليستدل على ذلك بالنسبة .
لأنه كلما تضافرت الأدلة على شيء قوي وصار أوكد وصار أوجب فذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقسم بأنه يستغفر الله ويتوب إليه أكثر من سبعين مرة .
هذا وهو الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .
وفي حديث الأغر بن يسار المزني أنه صلى الله عليه وسلم قال: يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة .
ففي هذين الحديثين: دليل على وجوب التوبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله فإذا تاب الإنسان إلى ربه حصل بذلك فائدتين:
الفائدة الأولى: امتثال أمر الله ورسوله وفي امتثال أمر الله ورسوله كل خير فعلى امتثال أمر الله ورسوله تدور السعادة في الدنيا والآخرة .

والفائدة الثانية:
الاقتداء برسول الله، حيث كان صلى الله عليه وسلم يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة يعني يقول أتوب إلى الله أتوب إلى الله .....الخ
والتوبة لابد فيها من صدق بحيث إذا تاب الإنسان إلى الله أقلع عن الذنب، أما الإنسان الذي يتوب بلسانه وقلبه منطو على فعل المعصية أو على ترك الواجب أو يتوب إلى الله بلسانه، وجوارحه مصرة على فعل المعصية فإن توبته لا تنفعه بل إنها أشبه ما تكون بالاستهزاء بالله عز وجل .
كيف تقول أتوب إلى الله من معصية وأنت مصر عليها أو تقول أتوب إلى الله من معصية وأنت عازم على فعلها ؟ الإنسان لو عامل بشراً مثله بهذه المعاملة لقال هذا يسخر بي ويستهزئ بي كيف يتنصل من أمر عندي وهو متلبس به ما هذا إلا هزؤ ولعب، فكيف برب العالمين .
إن من الناس من يقول إنه تائب من الربا ولكنه والعياذ بالله مصر عليه يمارس الربا صريحاً ويمارس الربا مخادعة وقد مر بنا كثيراً أن الذي يمارس الربا بالمخادعة أعظم إثماً وجرماً من الذي يمارس الربا بالصراحة لأن الذي يمارس الربا بالمخادعة جنى على نفسه مرتين: أولاً: الوقوع في الربا، وثانياً: مخادعة الله عز وجل وكأن الله لا يعلم وهذا يوجد كثيراً في الناس اليوم الذين يتعاملون في الربا صريحاً أمرهم واضح لكن من الناس من يتعامل في الربا خيانة ومخادعة تجد عنده أموالاً لها سنوات عديدة في دكان فيأتي الغني بشخص فقير يقوده للمذبحة والعياذ بالله .
فيأتي إلى صاحب الدكان الذي عنده هذه البضاعة ويبيعها على الفقير بالدين بيعاً صورياً وكل يعلم أنه ليس بيعاً حقيقياً لأن هذا المشتري المدين لا يقلبه ولا ينظر إليه ولا يهمه بل لو كان أكياساً من الرمل وبيعت عليه على أنها رز أو سكر أخذها .
يهمه أن يقضي حاجة فيبيعها عليه مثلاً بعشرة آلاف لمدة وينصرف بدون أن ينقلها من مكانها ثم يبيعها هذا المدين على صاحب الدكان بتسعة آلاف مثلا فيؤكل هذا الفقير من وجهين: من جهة هذا الذي دينه، ومن جهة صاحب الدكان ويقولون: إن هذا صحيح .
بل يسمونه التصحيح يقول قائلهم: أصحح عليك أو أصحح لك كذا وكذا ؟ سبحان الله هل هذا تصحيح ؟ هذا تلطيخ بالذنوب والعياذ بالله .
ولهذا يجب علينا إذا كنا صادقين مع الله سبحانه وتعالى في التوبة أن نقلع عن الذنوب والمعاصي إقلاعاً حقيقياً ونكرهها ونندم على فعلها حتى تكون التوبة توبة نصوحاً .
وفي هذين الحديثين: دليل على أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أشد الناس عبادة لله وهو كذلك .
فإنه أخشانا لله وأتقانا لله وأعلمنا بالله صلوات الله وسلامه عليه .
وفيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام معلم الخير بلسانه وفعاله .
فكان يستغفر الله ويأمر الناس بالاستغفار حتى يتأسوا به امتثالاً للأمر واتباعاً للفعل .
وهذا من كمال نصحه صلوات الله وسلامه عليه لأمته، فينبغي لنا نحن أيضاً أن نتأسى به إذا أمرنا الناس بأمر أن نكون أول من يمتثل هذا الأمر .
وإذا نهيناهم عن شيء أن نكون أول من ينتهي عنه لأن هذا هو حقيقة الداعي إلى الله بل هذه حقيقة الدعوة إلى الله عز وجل أن تفعل ما تأمر به وتترك ما تنهى عنه كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتوبة وهو عليه الصلاة والسلام يتوب أكثر منا نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم وأن يهدينا وإياكم صراطاً مستقيما والله الموفق .

رامي الهندي 14-12-2011 05:02 AM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 


- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والله إني لأستغفر لله، وأتوب إليه، في اليوم أكثر من سبعين مرة رواه البخاري .
- وعن الأغر بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم في اليوم مائة مرة رواه مسلم .

الشَّرْحُ

تقدم الكلام على ما ذكره المؤلف - رحمه الله - ليستدل على ذلك بالنسبة .
لأنه كلما تضافرت الأدلة على شيء قوي وصار أوكد وصار أوجب فذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقسم بأنه يستغفر الله ويتوب إليه أكثر من سبعين مرة .
هذا وهو الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .
وفي حديث الأغر بن يسار المزني أنه صلى الله عليه وسلم قال: يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة .
ففي هذين الحديثين: دليل على وجوب التوبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله فإذا تاب الإنسان إلى ربه حصل بذلك فائدتين:
الفائدة الأولى: امتثال أمر الله ورسوله وفي امتثال أمر الله ورسوله كل خير فعلى امتثال أمر الله ورسوله تدور السعادة في الدنيا والآخرة .

والفائدة الثانية:
الاقتداء برسول الله، حيث كان صلى الله عليه وسلم يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة يعني يقول أتوب إلى الله أتوب إلى الله .....الخ
والتوبة لابد فيها من صدق بحيث إذا تاب الإنسان إلى الله أقلع عن الذنب، أما الإنسان الذي يتوب بلسانه وقلبه منطو على فعل المعصية أو على ترك الواجب أو يتوب إلى الله بلسانه، وجوارحه مصرة على فعل المعصية فإن توبته لا تنفعه بل إنها أشبه ما تكون بالاستهزاء بالله عز وجل .
كيف تقول أتوب إلى الله من معصية وأنت مصر عليها أو تقول أتوب إلى الله من معصية وأنت عازم على فعلها ؟ الإنسان لو عامل بشراً مثله بهذه المعاملة لقال هذا يسخر بي ويستهزئ بي كيف يتنصل من أمر عندي وهو متلبس به ما هذا إلا هزؤ ولعب، فكيف برب العالمين .
إن من الناس من يقول إنه تائب من الربا ولكنه والعياذ بالله مصر عليه يمارس الربا صريحاً ويمارس الربا مخادعة وقد مر بنا كثيراً أن الذي يمارس الربا بالمخادعة أعظم إثماً وجرماً من الذي يمارس الربا بالصراحة لأن الذي يمارس الربا بالمخادعة جنى على نفسه مرتين: أولاً: الوقوع في الربا، وثانياً: مخادعة الله عز وجل وكأن الله لا يعلم وهذا يوجد كثيراً في الناس اليوم الذين يتعاملون في الربا صريحاً أمرهم واضح لكن من الناس من يتعامل في الربا خيانة ومخادعة تجد عنده أموالاً لها سنوات عديدة في دكان فيأتي الغني بشخص فقير يقوده للمذبحة والعياذ بالله .
فيأتي إلى صاحب الدكان الذي عنده هذه البضاعة ويبيعها على الفقير بالدين بيعاً صورياً وكل يعلم أنه ليس بيعاً حقيقياً لأن هذا المشتري المدين لا يقلبه ولا ينظر إليه ولا يهمه بل لو كان أكياساً من الرمل وبيعت عليه على أنها رز أو سكر أخذها .
يهمه أن يقضي حاجة فيبيعها عليه مثلاً بعشرة آلاف لمدة وينصرف بدون أن ينقلها من مكانها ثم يبيعها هذا المدين على صاحب الدكان بتسعة آلاف مثلا فيؤكل هذا الفقير من وجهين: من جهة هذا الذي دينه، ومن جهة صاحب الدكان ويقولون: إن هذا صحيح .
بل يسمونه التصحيح يقول قائلهم: أصحح عليك أو أصحح لك كذا وكذا ؟ سبحان الله هل هذا تصحيح ؟ هذا تلطيخ بالذنوب والعياذ بالله .
ولهذا يجب علينا إذا كنا صادقين مع الله سبحانه وتعالى في التوبة أن نقلع عن الذنوب والمعاصي إقلاعاً حقيقياً ونكرهها ونندم على فعلها حتى تكون التوبة توبة نصوحاً .
وفي هذين الحديثين: دليل على أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أشد الناس عبادة لله وهو كذلك .
فإنه أخشانا لله وأتقانا لله وأعلمنا بالله صلوات الله وسلامه عليه .
وفيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام معلم الخير بلسانه وفعاله .
فكان يستغفر الله ويأمر الناس بالاستغفار حتى يتأسوا به امتثالاً للأمر واتباعاً للفعل .
وهذا من كمال نصحه صلوات الله وسلامه عليه لأمته، فينبغي لنا نحن أيضاً أن نتأسى به إذا أمرنا الناس بأمر أن نكون أول من يمتثل هذا الأمر .
وإذا نهيناهم عن شيء أن نكون أول من ينتهي عنه لأن هذا هو حقيقة الداعي إلى الله بل هذه حقيقة الدعوة إلى الله عز وجل أن تفعل ما تأمر به وتترك ما تنهى عنه كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتوبة وهو عليه الصلاة والسلام يتوب أكثر منا نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم وأن يهدينا وإياكم صراطاً مستقيما والله الموفق .

رامي الهندي 18-12-2011 08:09 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
كمككك

- وعن أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة متفق عليه .
وفي رواية لمسلم لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح

الشَّرْحُ
قوله - رحمه الله - خادم النبي صلى الله عليه وسلم وكان رضي الله عنه حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أتت به أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت له هذا أنس بن مالك يخدمك، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وصار أنس من خدام النبي صلى الله عليه وسلم .
ذكر أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لله أشد فرحاً بتوبة عبده إذا تاب إليه من هذا الرجل الذي سقط عن راحلته بعد أن أضلها وذكر القصة .....
رجل كان بأرض فلاة ليس حوله أحد لا ماء ولا طعام ولا أناس ضل بعيره أي ضاع فجعل يطلبه فلم يجده فذهب إلى شجرة، ونام تحتها ينتظر الموت قد أيس من بعيره وأيس من حياته لأن طعامه وشرابه على بعير والبعير قد ضاع .
فبينما هو كذلك إذا بناقته عنده قد تعلق خطامها بالشجرة التي هو نائم تحتها، فبأي شيء تقدرون هذا الفرح هذا الفرح لا يمكن أن يتصوره أحد إلا من وقع في مثل هذه الحال لأنه فرح عظيم، فرح بالحياة بعد الموت ولهذا أخذ بالخطام فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أراد أن يثني على الله فيقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك لكن من شدة فرحه أخطأ فقلب القضية .
ففي هذا الحديث: دليل على فرح الله عز وجل بالتوبة من عبده إذا تاب إليه وأنه يحب ذلك سبحانه وتعالى محبة عظيمة ولكن لا لأجل حاجته إلى أعمالنا وتوبتنا فالله غني عنا ولكن لمحبته سبحانه للكرم فإنه يحب أن يعفو وأن يغفر أحب إليه من أن ينتقم ويؤاخذ ولهذا يفرح بتوبة الإنسان .
ففي هذا الحديث حث على التوبة لأن الله يحبها وهي من مصلحة العبد .
وفيه: إثبات الفرح لله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يفرح ويغضب ويكره ويحب لكن هذه الصفات ليست كصفاتنا لأن الله يقول ليس كمثله شيء وهو السميع البصير بل هو فرح يليق بعظمته وجلاله ولا يشبهه فرح المخلوقين ولا يشبه فرح المخلوقين .
وفيه دليل على أن الإنسان إذا أخطأ في قول من الأقوال ولو كان كفراً سبق لسانه إليه فإنه لا يؤاخذ به فهذا الرجل قال كلمة كفر لأن قول الإنسان لربه أنت عبدي وأنا ربك هذا كفر لا شك فيه .
لكن لما هذا صدر عنه خطأ من شدة الفرح صار غير مؤاخذ به، وكذلك غيرها من الكلمات لو سب أحداً على وجه الخطأ بدون قصد أو طلق زوجته على وجه الخطأ دون القصد أو أعتق على وجه الخطأ بدون قصد، فكل هذا لا يترتب عليه شيء لأن الإنسان لم يقصده فهو كاللغو في اليمين وقد قال الله تعالى { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } بخلاف المستهزئ فإنه يكفر إذا قال كلمة الكفر لقول الله سبحانه { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } فالمستهزئ قصد الكلام وقصد معناه لكن على سبيل السخرية والهزؤ فلذلك كان كافرا بخلاف الإنسان الذي لم يقصد فإنه لا يعتبر قوله شيئاً .
وهذا من رحمة الله عز وجل والله الموفق .

ابو السفر 20-12-2011 06:34 AM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
بارك الله فيك أخي رامي وجزاك الله خيرا على هذا النشاط ورحم الله الشيخ ابن عثيمين

رامي الهندي 25-12-2011 07:57 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 


- وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها رواه مسلم .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه رواه مسلم .
- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر رواه الترمذي وقال حديث حسن .

الشَّرْحُ
هذه الأحاديث الثلاثة التي ذكرها المؤلف - رحمه الله - كلها تتعلق بالتوبة .
أما حديث أبي موسى فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ........
الحديث وهذا من كرمه عز وجل أنه يقبل التوبة حتى وإن تأخرت، فإذا أذنب الإنسان ذنباً في النهار فإن الله تعالى يقبل توبته ولو تاب بالليل .
وكذلك إذا أذنب في الليل وتاب في النهار فإن الله يقبل توبته بل إن الله يبسط يده حتى يتلقى هذه التوبة التي تصدر من عبده المؤمن وفي هذا الحديث دليل على محبة الله سبحانه وتعالى للتوبة وقد سبق في الحديث السابق في قصة الرجل الذي أضل راحلته حتى وجدها أن الله يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب إليه أشد فرحاً من هذا براحلته .
وفيه إثبات اليد لله عز وجل في حديث أبي موسى وهو كذلك بل له يدان جل وعلا كما قال تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان} وهذه اليد التي أثبتها الله لنفسه بل اليدان يجب علينا أن نؤمن بهما وأنهما ثابتتان لله .
ولكن لا يجوز أن نتوهم أنها مثل أيدينا لأن الله يقول في كتابه { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } وهكذا كل ما مر بك من صفات الله فأثبتها لله عز وجل لكن بدون أن تمثلها بصفات المخلوقين لأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته عز وجل .
وفي هذا الحديث أن الله سبحانه وتعالى يقبل توبة العبد وإن تأخرت لكن المبادرة بالتوبة هي الواجب لأن الإنسان لا يدري قد يفجأه الموت فيموت قبل أن يتوب، فالواجب المبادرة لكن مع ذلك لو تأخرت تاب الله على العبد .
وفي هذا الحديث: أن الشمس إذا طلعت من مغربها انتهى قبول التوبة ولكن قد يسأل السائل ويقول هل الشمس تطلع من مغربها ؟ المعروف أن الشمس تطلع من المشرق ؟ فنقول نعم هذا هو المعروف والمطرد منذ خلق الله الشمس إلى يومنا هذا لكن في آخر الزمان يأمر الله الشمس أن ترجع من حيث جاءت فتنعكس الدورة .
تدور بالعكس تطلع من مغربها فإذا رآها الناس آمنوا كلهم حتى الكفار اليهود والنصارى والبوذيون والشيوعيون وغيرهم كلهم يؤمنون ولكن الذي لم يؤمن قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا ينفعه إيمانه .
كل يتوب أيضاً لكن الذي لم يتب قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا تقبل توبته لأن هذه آية يشهدها كل أحد وإذا جاءت الآيات المنذرة لم تنفع التوبة ولم ينفع الإيمان .
أما حديث ابن عمر إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر أي ما لم تصل الروح الحلقوم، فإذا وصلت الروح الحلقوم فلا توبة وقد بينت النصوص الأخرى أنه إذا حضر الموت فلا توبة لقوله تعالى { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن } فعليك يا أخي المسلم أن تبادر بالتوبة إلى الله من الذنوب وأن تقلع عما كنت متلبساً به من المعاصي وأن تقوم بما فرطت به من الواجبات وتسأل الله قبول توبتك والله الموفق

رامي الهندي 25-12-2011 07:57 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 


- وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها رواه مسلم .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه رواه مسلم .
- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر رواه الترمذي وقال حديث حسن .

الشَّرْحُ
هذه الأحاديث الثلاثة التي ذكرها المؤلف - رحمه الله - كلها تتعلق بالتوبة .
أما حديث أبي موسى فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ........
الحديث وهذا من كرمه عز وجل أنه يقبل التوبة حتى وإن تأخرت، فإذا أذنب الإنسان ذنباً في النهار فإن الله تعالى يقبل توبته ولو تاب بالليل .
وكذلك إذا أذنب في الليل وتاب في النهار فإن الله يقبل توبته بل إن الله يبسط يده حتى يتلقى هذه التوبة التي تصدر من عبده المؤمن وفي هذا الحديث دليل على محبة الله سبحانه وتعالى للتوبة وقد سبق في الحديث السابق في قصة الرجل الذي أضل راحلته حتى وجدها أن الله يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب إليه أشد فرحاً من هذا براحلته .
وفيه إثبات اليد لله عز وجل في حديث أبي موسى وهو كذلك بل له يدان جل وعلا كما قال تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان} وهذه اليد التي أثبتها الله لنفسه بل اليدان يجب علينا أن نؤمن بهما وأنهما ثابتتان لله .
ولكن لا يجوز أن نتوهم أنها مثل أيدينا لأن الله يقول في كتابه { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } وهكذا كل ما مر بك من صفات الله فأثبتها لله عز وجل لكن بدون أن تمثلها بصفات المخلوقين لأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته عز وجل .
وفي هذا الحديث أن الله سبحانه وتعالى يقبل توبة العبد وإن تأخرت لكن المبادرة بالتوبة هي الواجب لأن الإنسان لا يدري قد يفجأه الموت فيموت قبل أن يتوب، فالواجب المبادرة لكن مع ذلك لو تأخرت تاب الله على العبد .
وفي هذا الحديث: أن الشمس إذا طلعت من مغربها انتهى قبول التوبة ولكن قد يسأل السائل ويقول هل الشمس تطلع من مغربها ؟ المعروف أن الشمس تطلع من المشرق ؟ فنقول نعم هذا هو المعروف والمطرد منذ خلق الله الشمس إلى يومنا هذا لكن في آخر الزمان يأمر الله الشمس أن ترجع من حيث جاءت فتنعكس الدورة .
تدور بالعكس تطلع من مغربها فإذا رآها الناس آمنوا كلهم حتى الكفار اليهود والنصارى والبوذيون والشيوعيون وغيرهم كلهم يؤمنون ولكن الذي لم يؤمن قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا ينفعه إيمانه .
كل يتوب أيضاً لكن الذي لم يتب قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا تقبل توبته لأن هذه آية يشهدها كل أحد وإذا جاءت الآيات المنذرة لم تنفع التوبة ولم ينفع الإيمان .
أما حديث ابن عمر إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر أي ما لم تصل الروح الحلقوم، فإذا وصلت الروح الحلقوم فلا توبة وقد بينت النصوص الأخرى أنه إذا حضر الموت فلا توبة لقوله تعالى { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن } فعليك يا أخي المسلم أن تبادر بالتوبة إلى الله من الذنوب وأن تقلع عما كنت متلبساً به من المعاصي وأن تقوم بما فرطت به من الواجبات وتسأل الله قبول توبتك والله الموفق

رامي الهندي 31-12-2011 10:08 AM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة ؟ فقال لا فقتله فكمل به مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة فقال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائباً مقبلا بقلبه إلى الله تعالى وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم - أي حكما - فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة متفق عليه .
وفي رواية في الصحيح فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها وفي رواية في الصحيح فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي وقال قيسوا ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له وفي رواية فنأى بصدره نحوها .

الشَّرْحُ
نقل المؤلف - رحمه الله - عن أبي سعيد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً ثم إنه ندم وسأل عن أعلم أهل الأرض يسأله هل له من توبة فدل على رجل، فإذا هو راهب يعني عابدا ولكن لا علم عنده، فلما سأله قال إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة ؟ فاستعظم الراهب هذا الذنب وقال ليس لك توبة فغضب الرجل وانزعج وقتل الراهب فأتم مائة نفس ثم إنه سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال له إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة قال نعم ومن الذي يحول بينه وبين التوبة باب التوبة مفتوح ولكن اذهب إلى القرية الفلانية فإن فيها قوماً يعبدون الله والأرض التي كان فيه كأنها والله أعلم دار كفر فأمره هذا العالم أن يهاجر بدينه إلى هذه القرية التي يعبد فيها الله عز وجل فخرج تائباً نادماً مهاجراً بدينه إلى الأرض التي فيها القوم الذين يعبدون الله عز وجل وفي منتصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب لأن الكافر والعياذ بالله تقبض روحه ملائكة العذاب والمؤمن تقبض روحه ملائكة الرحمة فاختصموا ملائكة العذاب تقول إنه لم يعمل خيراً قط أي بعد توبته ما عمل خيراً وملائكة الرحمة تقول إنه تاب وجاء نادماً تائباً فحصل يبنهما خصومة فبعث الله إليهم ملكاً ليحكم بينهم .
فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أقرب فهو له أي فهو من أهلها إن كانت أرض الكفر أقرب إليه فملائكة العذاب تقبض روحه وإن كان إلى بلد الإيمان أقرب فملائكة الرحمة تقبض روحه .
فقاسموا ما بينهما فإذا البلد التي اتجه إليها وهي بلد الإيمان أقرب من البلد التي هاجر منها بنحو شبر - مسافة قريبة - فقبضته ملائكة الرحمة .
ففي هذا دليل على فوائد كثيرة: منها أن القاتل له توبة ودليل ذلك في كتاب الله قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء يعنى ما دون الشرك فإن الله يغفره إذا شاء .
وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم .
وذكر عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن القاتل ليس له توبة لأن الله يقول { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزؤاه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً } ولكن ما ذهب إليه الجمهور هو الحق وما روي عن ابن عباس فإنه يمكن أن يحمل على أنه ليس له توبة بالنسبة للمقتول وذلك لأن القاتل إذا قتل تعلق فيه ثلاثة حقوق .
الحق الأول لله والثاني للمقتول والثالث لأولياء المقتول .
أما حق الله فلا شك أن الله يغفره بالتوبة لقول الله تعالى { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً } ولقوله تعالى { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } وأما حق المقتول فإن توبة القاتل لا تنفعه ولا تؤديه حقه لأنه مات ولا يمكن الوصول إلى استحلاله أو التبرؤ من دمه فهذا هو الذي يبقى مطالباً به القاتل ولو تاب وإذا كان يوم القيامة فالله يفصل بينهم .
وأما حق أولياء المقتول فإنها لا تصح توبة القاتل حتى يسلم نفسه إلى أولياء المقتول ويقر بالقتل ويقول أنا القاتل وأنا بين أيديكم إن شئتم اقتلوني وإن شئتم خذوا الدية وإن شئتم اسمحوا .

رامي الهندي 01-01-2012 10:14 AM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن أبي نجيد - بضم النون وفتح الجيم - عمران بن الحصين الخزاعي رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا فقالت يا رسول الله أصبت حداً فأقمه علي فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال أحسن إليها فإذا وضعت فأتني ففعل فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت قال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل رواه مسلم .

الشَّرْحُ

قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا يعني حاملاً قد زنت رضي الله عنها .
فقالت يا رسول الله إني قد أصبت حداً فأقمه علي أي أصبت شيئاً يوجب الحد فأقمه علي .
فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وليها وأمره أن يحسن إليها فإذا وضعت فليأتي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وضعت أتى بها وليها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بها فشدت عليها ثيابها أي لفت ثيابها وربطت لئلا تنكشف ثم أمر بها فرجمت أي بالحجارة - وهي ليست كبيرة ولا صغيرة - حتى ماتت ثم صلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم .
ودعا لها دعاء الميت فقال له عمر تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت أي: والزنا من كبائر الذنوب .
فقال: لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم يعني توبة واسعة لو قسمت على سبعين كلهم مذنب لوسعتهم ونفعتهم .
وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل أي هل وجدت أفضل من هذه الحال امرأة جاءت فجادت بنفسها يعني سلمت نفسها من أجل التقرب إلى الله عز وجل والخلوص من إثم الزنا ما هناك أفضل من هذا .
ففي هذا الحديث دليل على فوائد كثيرة منها.:
أن الزاني إذا زنى وهو محصن - يعني قد تزوج - فإنه يجب أن يرجم وجوباً وقد كان هذا في كتاب الله عز وجل آية قرأها المسلمون وحفظوها ووعوها ونفذوها .
رجم النبي صلى الله عليه وسلم ورجم الخلفاء من بعده ولكن الله بحكمته نسخها من القرآن لفظاً وأبقى حكمها في هذه الأمة فإذا زنى المحصن - وهو الذي قد تزوج - فإنه يرجم حتى يموت يوقف في مكان واسع ويجتمع الناس ويأخذون من الحصى يرمونه به حتى يموت .
وهذه من حكمة الله عز وجل أي أنه لم يأمر الشرع بأن يذبح بالسيف وينتهي أمره بل يرجم بهذه الحجارة حتى يتعذب ويذوق ألم العذاب في مقابل ما وجده من لذة الحرام لأن هذا الزاني تلذذ جميع جسده بالحرام فكان من الحكمة أن ينال هذا الجسد من العذاب بقدر ما نال من اللذة .
ولهذا قال العلماء - رحمهم الله - إنه لا يجوز أن يرجم بالحجارة الكبيرة لأن الحجارة الكبيرة تجهز عليه ويموت سريعاً فيستريح ولا بالصغيرة جداً لأن هذه تؤذيه وتطيل موته ولكن بحصى متوسط حتى يذوق الألم ثم يموت .
فإذا قال قائل أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة والقتلة بالسيف أريح للمرجوم من الرجم بالحجارة .
قلنا بلى قد قاله الرسول عليه الصلاة والسلام لكن إحسان القتلة يكون بموافقتها للشرع فالرجم إحسان لأنه موافق للشرع ولذلك لو أن رجلاً جانياً جنى على شخص فقتله عمداً وغرر به قبل أن يقتله فإننا نغرر بهذا الجاني إذا أردنا قتله قبل أن نقتله .
مثلاً لو أن رجلاً جانياً قتل شخصاً فقطع يديه ثم رجليه ثم لسانه ثم رأسه فإننا لا نقتل الجاني بالسيف بل نقطع يديه ثم رجليه ثم لسانه ثم نقطع رأسه مثلما فعل ويعتبر هذا إحساناً في القتلة لأن إحسان القتلة أن يكون موافقاً للشرع على أي وجه كان .
وفي هذا الحديث دليل على جواز إقرار الإنسان على نفسه بالزنى من أجل تطهيره بالحد لا من أجل فضحه نفسه فالإنسان الذي يتحدث عن نفسه أنه زنى عند الإمام أو نائبه من أجل إقامة الحد عليه هذا لا يلام ولا يذم .
وأما الإنسان الذي يخبر عن نفسه أنه زنى يخبر بذلك عامة الناس فهذا فاضح نفسه وهو من غير المعافين لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: كل أمتي معافى إلا المجاهرين قالوا من المجاهرون ؟ قال الذي يفعل الذنب ثم يستره الله عليه ثم يصبح يتحدث به هناك قسم ثالث فاسق مارد ماجن يتحدث بالزنا افتخارا والعياذ بالله يقول إنه سافر إلى البلد الفلاني وإلى البلد الفلاني وفجر وفعل وزنى بعدة نساء وما أشبه ذلك يفتخر بهذا هذا يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل لأن الذي يفتخر بالزنا مقتضى حاله أنه استحل الزنا والعياذ بالله ومن استحل الزنا فهو كافر .
ويوجد بعض الناس الفسقة يفعل ذلك .
الذين أصيب المسلمون بالمصائب من أجلهم ومن أجل أفعالهم .
يوجد من يتبجح بهذا الأمر إذا سافر إلى بلد معروف بالفسق والمجون مثل بانكوك وغيرها من البلاد الخبيثة التي كلها زنى ولواط وخمر وغير ذلك رجع إلى أصحابه يتبجح بما فعل .
هذا كما قلت يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل لأن من استحل الزنا أو غيره من المحرمات الظاهرة المجمع عليها فإنه يكفر .
إذا قال قائل هل الأفضل للإنسان إذا زنى أن يذهب إلى القاضي ليقر عنده فيقام عليه الحد أو الأفضل أن يستر نفسه ؟ فيه تفصيل قد يكون الإنسان تاب توبة نصوحاً وندم وعرف من نفسه أنه لن يعود فهذا الأفضل أن لا يذهب ولا يخبر عن نفسه بل يجعل الأمر سراً بينه وبين الله ومن تاب تاب الله عليه .
وأما من خاف أن لا تكون توبته نصوحاً وخاف أن يعود ويرجع إلى الذنب مرة أخرى فهذا الأفضل في حقه أن يذهب إلى ولي الأمر - القاضي أو غيره - ليقر عنده فيقام عليه الحد .

رامي الهندي 04-01-2012 05:45 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن أبي نجيد - بضم النون وفتح الجيم - عمران بن الحصين الخزاعي رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا فقالت يا رسول الله أصبت حداً فأقمه علي فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال أحسن إليها فإذا وضعت فأتني ففعل فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت قال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل رواه مسلم .

الشَّرْحُ

قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا يعني حاملاً قد زنت رضي الله عنها .
فقالت يا رسول الله إني قد أصبت حداً فأقمه علي أي أصبت شيئاً يوجب الحد فأقمه علي .
فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وليها وأمره أن يحسن إليها فإذا وضعت فليأتي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وضعت أتى بها وليها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بها فشدت عليها ثيابها أي لفت ثيابها وربطت لئلا تنكشف ثم أمر بها فرجمت أي بالحجارة - وهي ليست كبيرة ولا صغيرة - حتى ماتت ثم صلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم .
ودعا لها دعاء الميت فقال له عمر تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت أي: والزنا من كبائر الذنوب .
فقال: لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم يعني توبة واسعة لو قسمت على سبعين كلهم مذنب لوسعتهم ونفعتهم .
وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل أي هل وجدت أفضل من هذه الحال امرأة جاءت فجادت بنفسها يعني سلمت نفسها من أجل التقرب إلى الله عز وجل والخلوص من إثم الزنا ما هناك أفضل من هذا .
ففي هذا الحديث دليل على فوائد كثيرة منها.:
أن الزاني إذا زنى وهو محصن - يعني قد تزوج - فإنه يجب أن يرجم وجوباً وقد كان هذا في كتاب الله عز وجل آية قرأها المسلمون وحفظوها ووعوها ونفذوها .
رجم النبي صلى الله عليه وسلم ورجم الخلفاء من بعده ولكن الله بحكمته نسخها من القرآن لفظاً وأبقى حكمها في هذه الأمة فإذا زنى المحصن - وهو الذي قد تزوج - فإنه يرجم حتى يموت يوقف في مكان واسع ويجتمع الناس ويأخذون من الحصى يرمونه به حتى يموت .
وهذه من حكمة الله عز وجل أي أنه لم يأمر الشرع بأن يذبح بالسيف وينتهي أمره بل يرجم بهذه الحجارة حتى يتعذب ويذوق ألم العذاب في مقابل ما وجده من لذة الحرام لأن هذا الزاني تلذذ جميع جسده بالحرام فكان من الحكمة أن ينال هذا الجسد من العذاب بقدر ما نال من اللذة .
ولهذا قال العلماء - رحمهم الله - إنه لا يجوز أن يرجم بالحجارة الكبيرة لأن الحجارة الكبيرة تجهز عليه ويموت سريعاً فيستريح ولا بالصغيرة جداً لأن هذه تؤذيه وتطيل موته ولكن بحصى متوسط حتى يذوق الألم ثم يموت .
فإذا قال قائل أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة والقتلة بالسيف أريح للمرجوم من الرجم بالحجارة .
قلنا بلى قد قاله الرسول عليه الصلاة والسلام لكن إحسان القتلة يكون بموافقتها للشرع فالرجم إحسان لأنه موافق للشرع ولذلك لو أن رجلاً جانياً جنى على شخص فقتله عمداً وغرر به قبل أن يقتله فإننا نغرر بهذا الجاني إذا أردنا قتله قبل أن نقتله .
مثلاً لو أن رجلاً جانياً قتل شخصاً فقطع يديه ثم رجليه ثم لسانه ثم رأسه فإننا لا نقتل الجاني بالسيف بل نقطع يديه ثم رجليه ثم لسانه ثم نقطع رأسه مثلما فعل ويعتبر هذا إحساناً في القتلة لأن إحسان القتلة أن يكون موافقاً للشرع على أي وجه كان .
وفي هذا الحديث دليل على جواز إقرار الإنسان على نفسه بالزنى من أجل تطهيره بالحد لا من أجل فضحه نفسه فالإنسان الذي يتحدث عن نفسه أنه زنى عند الإمام أو نائبه من أجل إقامة الحد عليه هذا لا يلام ولا يذم .
وأما الإنسان الذي يخبر عن نفسه أنه زنى يخبر بذلك عامة الناس فهذا فاضح نفسه وهو من غير المعافين لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: كل أمتي معافى إلا المجاهرين قالوا من المجاهرون ؟ قال الذي يفعل الذنب ثم يستره الله عليه ثم يصبح يتحدث به هناك قسم ثالث فاسق مارد ماجن يتحدث بالزنا افتخارا والعياذ بالله يقول إنه سافر إلى البلد الفلاني وإلى البلد الفلاني وفجر وفعل وزنى بعدة نساء وما أشبه ذلك يفتخر بهذا هذا يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل لأن الذي يفتخر بالزنا مقتضى حاله أنه استحل الزنا والعياذ بالله ومن استحل الزنا فهو كافر .
ويوجد بعض الناس الفسقة يفعل ذلك .
الذين أصيب المسلمون بالمصائب من أجلهم ومن أجل أفعالهم .
يوجد من يتبجح بهذا الأمر إذا سافر إلى بلد معروف بالفسق والمجون مثل بانكوك وغيرها من البلاد الخبيثة التي كلها زنى ولواط وخمر وغير ذلك رجع إلى أصحابه يتبجح بما فعل .
هذا كما قلت يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل لأن من استحل الزنا أو غيره من المحرمات الظاهرة المجمع عليها فإنه يكفر .
إذا قال قائل هل الأفضل للإنسان إذا زنى أن يذهب إلى القاضي ليقر عنده فيقام عليه الحد أو الأفضل أن يستر نفسه ؟ فيه تفصيل قد يكون الإنسان تاب توبة نصوحاً وندم وعرف من نفسه أنه لن يعود فهذا الأفضل أن لا يذهب ولا يخبر عن نفسه بل يجعل الأمر سراً بينه وبين الله ومن تاب تاب الله عليه .
وأما من خاف أن لا تكون توبته نصوحاً وخاف أن يعود ويرجع إلى الذنب مرة أخرى فهذا الأفضل في حقه أن يذهب إلى ولي الأمر - القاضي أو غيره - ليقر عنده فيقام عليه الحد .

رامي الهندي 08-01-2012 04:31 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن ابن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب متفق عليه .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يضحك الله سبحانه وتعالى إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد متفق عليه .

الشَّرْحُ
هذان الحديثان في بيان التوبة وأن من تاب تاب الله عليه مهما عظم ذنبه لأن الله تعالى قال في كتابه {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما} فالحديث الأول عن ابن عباس ومعناه أن ابن آدم لن يشبع من المال ولو كان له واد واحد لابتغى أي طلب أن يكون له واديان ولا يملأ جوفه إلا التراب وذلك إذا مات ودفن وترك الدنيا وما فيها حينئذ يقتنع لأنها فاتته ولكن مع ذلك حث الرسول صلى الله عليه وسلم على التوبة لأن الغالب أن الذي يكون عنده طمع في المال أنه لا يحترز من الأشياء المحرمة من الكسب المحرم ولكن دواء ذلك بالتوبة إلى الله ولذلك قال { ويتوب الله على من تاب } فمن تاب من سيئاته ولو كانت هذه السيئات مما يتعلق بالمال فإن الله يتوب عليه وأما الحديث الثاني فهو عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال يضحك الله إلى رجلين ..الحديث .
وسبب ضحك الله أنه كان بينهما تمام العداوة في الدنيا حتى إن أحدهما قتل الآخر فقلب الله هذه العداوة التي في قلب كل واحد منهما وأزال ما في نفوسهما من الغل لأن أهل الجنة يطهرون من الغل والحقد كما قال الله في وصفهم { إخوانا على سرر متقابلين } وقال قبلها { ونزعنا ما في صدورهم من غل } فهذا وجه العجب من هذين الرجلين .
ففيه دليل على أن الكافر إذا تاب من كفره ولو كان قد قتل أحداً من المسلمين فإن الله تعالى يتوب عليه لأن الإسلام يهدم ما قبله .

رامي الهندي 10-01-2012 06:55 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
باب الصبر
قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا } وقال تعالى { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين } وقال تعالى { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } وقال تعالى { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } وقال تعالى { استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } وقال تعالى { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } والآيات في الأمر بالصبر وبيان فضله كثيرة معروفة .

الشَّرْحُ
الصبر لغة الحبس وشرعاً حبس النفس على ثلاثة أمور .
الأول: طاعة الله الثاني عن محارم الله الثالث على أقدار الله المؤلمة هذه أنواع الصبر التي ذكرها أهل العلم .
الأمر الأول أن يصبر الإنسان على طاعة الله لأن الطاعة ثقيلة على النفس تصعب على الإنسان وكذلك ربما ثقيلة على البدن بحيث يكون مع الإنسان شيء من العجز والتعب وكذلك أيضاً يكون فيها مشقة من الناحية المالية كمسألة الزكاة ومسألة الحج .
المهم أن الطاعات فيها شيء من المشقة على النفس والبدن فتحتاج إلى صبر وإلى معاناة قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا الأمر الثاني الصبر عن محارم الله بحيث يكف الإنسان نفسه عما حرم الله عليه لأن النفس الأمارة بالسوء تدعو إلى السوء فيصبر الإنسان نفسه، مثل الكذب والغش في المعاملات وأكل المال بالباطل بالربا أو غيره والزنى وشرب الخمر والسرقه وما أشبه ذلك من المعاصي الكثيرة فيحبس الإنسان نفسه عنها حتى لا يفعلها وهذا يحتاج أيضاً إلى معاناة ويحتاج إلى كف النفس والهوى .
أما الأمر الثالث: فهو الصبر على أقدار الله المؤلمة لأن أقدار الله عز وجل على الإنسان ملائمة ومؤلمة .
الملائمة: تحتاج إلى الشكر والشكر من الطاعات فالصبر عليه من النوع الأول ومؤلمة بحيث لا تلائم الإنسان فيبتلى الإنسان في بدنه يبتلى في ماله - يفقده - يبتلى في أهله ويبتلى في مجتمعه، المهم أن أنواع البلايا كثيرة تحتاج إلى صبر ومعاناة فيصبر الإنسان نفسه عما يحرم عليه من إظهار الجزع باللسان أو بالقلب أو بالجوارح، لأن الإنسان عند حلول المصيبة له أربع حالات: الحال الأولى: أن يتسخط، والحال الثانية أن يصبر، والحال الثالثة أن يرضى، والحال الرابعة: أن يشكر .
هذه أربع حالات تكون للإنسان عندما يصاب بالمصيبة .:
أما الحال الأولى: أن يسخط إما بقلبه أو بلسانه أو بجوارحه .
التسخط بالقلب أن يكون في قلبه شيء على ربه من السخط والشره على الله والعياذ بالله وما أشبهه، ويشعر وكأن الله قد ظلمه بهذه المصيبة .
وأما باللسان فأن يدعو بالويل والثبور، يا ويلاه يا ثبوراه وأن يسب الدهر فيؤذي الله عز وجل وما أشبهه التسخط بالجوارح مثل أن يلطم خده أو يصفع رأسه أو ينتف شعره أو يشق ثوبه وما أشبه هذا .
هذا حال السخط حال الهلعين الذين حرموا من الثواب ولم ينجوا من المصيبة بل الذين اكتسبوا الإثم فصار عندهم مصيبتان مصيبة في الدين بالسخط ومصيبة في الدنيا لما أتاهم مما يؤلمهم .
أما الحال الثانية فالصبر على المصيبة بأن يحبس نفسه هو يكره المصيبة ولا يحبها ولا يحب أن وقعت لكن يصبر نفسه لا يتحدث باللسان بما يسخط الله ولا يفعل بجوارحه ما يغضب الله ولا يكون في قلبه على الله شيء أبداً صابر لكنه كاره لها .
والحال الثالثة الرضى بأن يكون الإنسان منشرحاً صدره بهذه المصيبة ويرضى بها رضاءاً تاماً وكأنه لم يصب بها .
والحال الرابعة الشكر فيشكر الله عليها وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يكره قال الحمد لله على كل حال .
فيشكر الله من أجل أن الله يرتب له من الثواب على هذه المصيبة أكثر مما أصابه ولهذا يذكر عن بعض العابدات أنها أصيبت في أصبعها فحمدت الله على ذلك فقالوا لها كيف تحمدين الله والأصبع قد أصابه ما أصابه قالت إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها والله الموفق .
قال رحمه الله تعالى في الحث على الصبر والثناء على فاعليه وقول الله سبحانه { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } فأمر الله المؤمنين بمقتضى إيمانهم وبشرف إيمانهم بهذه الأوامر الثلاثة بل أربعة .
اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله .
فالصبر عن المعصية والمصابرة على الطاعة والمرابطة كثرة الخير وتتابع الخير والتقوى تعم ذلك كله .
فاصبروا عن محارم الله: لا تفعلوها تجنبوها ولا تقربوها .
ومن المعلوم أن الصبر عن المعصية لا يكون إلا حيث دعت إليه النفس أما الإنسان الذي لم تطرأ على باله المعصية فلا يقال إنه صبر عنها ولكن إذا دعتك نفسك إلى المعصية فاصبر واحبس النفس .
وأما المصابرة فهي على الطاعة لأن الطاعة فيها أمران الأمر الأول فعل يتكلف به الإنسان ويلزم نفسه به .
والأمر الثاني ثقل على النفس لأن فعل الطاعة كترك المعصية ثقيلة على النفوس الأمارة بالسوء .
فلهذا كان الصبر على الطاعة أفضل من الصبر على المعصية ولهذا قال الله تعالى { صابروا } كأن أحداً يصابرك كما يصابر الإنسان عدوه في القتال والجهاد .
وأما المرابطة فهي كثرة الخير والاستمرار عليه ولهذا جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط لأن فيه استمرارا في الطاعة وكثرة لفعلها .
وأما التقوى فإنها تشمل ذلك كله لأن التقوى اتخاذ ما يقي من عقاب الله وهذا يكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي .
وعلى هذا فعطفها على ما سبق من باب عطف العام على الخاص ثم بين الله تعالى أن القيام بهذه الأوامر سبب للفلاح فقال { لعلكم تفلحون } والفلاح كلمة جامعة تدور على شيئين على حصول المطلوب وعلى النجاة من المرهوب فمن اتقى الله عز وجل حصل له مطلوبه ونجا من مرهوبه .
وأما الآية الثانية فقال رحمه الله وقوله تعالى { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين } هذه الآية فيها قسم من الله عز وجل أن يختبر العباد بهذه الأمور .
فقوله { لنبلونكم } أي لنختبرنكم .
{ بشيء من الخوف } لا الخوف كله بل شيء منه لأن الخوف كله مهلك ومدمر لكن بشيء منه .
{ الخوف } هو فقد الأمن وهو أعظم من الجوع ولهذا قدمه الله عليه لأن الإنسان الجائع ربما يتعلل ويذهب يطلب ولو كان لحاء شجر لكن الخائف والعياذ بالله لا يستقر لا في بيته ولا في سوقه، وأخوف ما نخاف منه ذنوبنا لأن الذنوب سبب لكل الويلات وسبب المخاطر والمخاوف والعقوبات الدينية والدنيوية .
و { والجوع } أي يبتلى بالجوع .
والجوع يحمل معنين: المعنى الأول: أن يحدث الله سبحانه في العباد وباء هو وباء الجوع بحيث يأكل الإنسان ولا يشبع وهذا يمر على الناس وقد مر بهذه البلاد سنة معروفة عند العامة تسمى سنة الجوع يأكل الإنسان الشيء الكثير ولكنه لا يشبع والعياذ بالله أبداً .
نحدث أن الإنسان يأكل من التمر محفراً كاملاً في آن واحد ولا يشبع والعياذ بالله ويأكل الخبز الكثير ولا يشبع لمرض فيه .
النوع الثاني الجدب والسنين الممحلة التي لا يدر فيها ضرع ولا ينمو فيها زرع هذا من الجوع وقوله { ونقص من الأموال } يعني نقص الاقتصاد بحيث تصاب الأمة بقلة المادة والفقر ويتأخر اقتصادها وترهق حكومتها بالديون التي تأتي نتيجة لأسباب يقدرها الله عز وجل ابتلاءا وامتحانا .
وقوله { والأنفس } أي الموت بحيث يحل في الناس أوبئة تهلكهم وتقضي عليهم .
وهذا أيضاً يحدث كثيرا ولقد حدثنا أنه حدث في هذه البلاد أي البلاد النجدية حدث فيها وباء عظيم تسمى سنته عند العامة سنة الرحمة إذا دخل الوباء في البيت لم يبق منهم أحد إلا دفن والعياذ بالله .
يدخل في البيت فيه عشرة أنفس أو أكثر فيصاب هذا بعرض ومن غد الثاني والثالث والرابع حتى يموتوا عن آخرهم وحدثنا أنه قدم في هذا المسجد - مسجد الجامع الكبير بعنيزة - وكان الناس بالأول في قرية صغيرة ما فيها ناس كثير كما هو الحال اليوم يقدم أحياناً فرض الصلاة الواحد سبع إلى ثمان جنائز نعوذ بالله من الأوبئة .
وقوله { والثمرات } أي أن لا يكون هناك جوع ولكن تنقص الثمرات تنزع بركتها في الزروع والنخيل وفي الأشجار الأخرى والله عز وجل يبتلي العباد بهذه الأمور ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون .
فيقابل الناس هذه المصائب بدرجات متنوعة بالتسخط بالصبر وبالرضا بالشكر كما قلناه فيما سبق والله الموفق .
قوله { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } يوفى الصابرون أي يعطى الصابرون أجرهم ثوابهم .
وقوله { بغير حساب } لأن الأعمال الصالحة مضاعفة الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة .
أما الصبر فإن مضاعفته تأتي بغير حساب من عند الله عز وجل وهذا يدل على أن أجره عظيم وأن الإنسان لا يمكن أن يتصور هذا الأجر لأنه لم يقابل بعدد بل هو أمر معلوم عند الله ولا حساب لا يقال مثلاً الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف بل يقال إنه يوفى أجره بغير حساب وفي هذه الآية من الترغيب في الصبر ما هو ظاهر وقوله { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } أي أن الذي يصبر على أذى الناس ويحتملهم ويغفر لهم سيئاتهم التي يسيئون بها إليه فإن ذلك من عزم الأمور أي من معزوماتها وشدائدها التي تحتاج إلى مقابلة ومصابرة ولا سيما إذا كان الأذى الذي ينال الإنسان بسبب جهاده في الله عز وجل وبسبب طاعته لأن أذية الناس لك لها أسباب متعددة متنوعة فإذا كان سببها طاعة الله عز وجل والجهاد في سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الإنسان يثاب على ذلك من وجهين:
الأول: من الأذية التي تحصل له .
الثاني: صبره على هذه الطاعة التي أذي في الله من أجلها .
وفي هذه الآيج حث على صبر الإنسان على أذية الناس ومغفرته لهم ما أساؤوا فيه ولكن ينبغي أن يعلم أن المغفرة لمن أساء إليك ليست محمودة على الإطلاق فإن الله قيد هذا بأن يكون العفو مقروناً بالإصلاح فقال { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } أما إذا لم يكن في العفو والمغفرة إصلاح فلا تعف ولا تغفر .
مثاله لو كان الذي أساء إليك شخصاً معروفاً بالشر والفساد وأنك لو عفوت عنه لكان في ذلك زيادة في شره .
ففي هذه الحال الأفضل أن لا تعفو عنه بل تأخذ بحقك من أجل الإصلاح أما إذا كان الشخص إذا عفوت عنه لم يترتب على العفو عنه مفسدة فإن العفو أفضل وأحسن لأن الله يقول { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } وإذا كان أجرك على الله كان خيراً لك من أن يكون ذلك بمعاوضة تأخذ من أعمال صاحبك الصالحة .
وقوله { استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } أمر الله سبحانه وتعالى أن نستعين على الأمور بالصبر عليها لأن الإنسان إذا صبر وانتظر الفرج من الله سهلت عليه الأمور .
فأنت إذا أصبت بشيء يحتاج إلى صبر فاصبر وتحمل واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً وأما الصلاة فإنها تعين على الأمور الدينية والدنيوية حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر عنه أنه إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .
وبين الله في كتابه أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فإذا استعان الإنسان بالصلاة على أموره يسر الله له ذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وبين ربه فيقف الإنسان فيها بين يدي الله ويناجيه يدعوه ويتقرب إليه بأنواع القربات التي تكون في هذه الصلاة فكانت سبباً للمعونة قوله { إن الله مع الصابرين } يعني بذلك كلمة المعية الخاصة لأن معية الله سبحانه تنقسم إلى قسمين:
1 - معية عامة شاملة لكل أحد وهي المذكورة في قوله تعالى { وهو معكم أين ما كنتم } وفي قوله تعالى { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا } وهذه المعية العامة شاملة لجميع الخلق فما من مخلوق إلا والله معه يعلمه ويحيط به سلطاناً وقدرة وسمعا وبصراً وغير ذلك .
2 - أما المعية الخاصة فهي المعية التي تقتضي النصر والتأييد وهذه خاصة بالرسل وأتباعهم ليست لكل واحد فـ { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } والله مع الصابرين وما أشبه من ذلك الآيات الدالة على هذه المعية الخاصة ولكن هاتين كلتيهما لا تدلان على أن الله سبحانه مع الناس في أمكنتهم بل هو مع الناس وهو فوق سماواته على عرشه ولا مانع من ذلك لأن الشيء يكون فوق وهو معك والعرب يقولون ما زلنا نسير والقمر معنا .
وكل يعلم أن القمر في السماء ويقولون ما زلنا نسير وسهيل معنا - وهو نجم معروف - وهو في السماء فما بالك بالخالق عز وجل هو فوق كل شيء استوى على عرشه ومع ذلك هو محيط بكل شيء مع كل أحد، مهما انفردت فإن الله تعالى محيط بك علماً وقدرة وسلطانا وسمعاً وبصراً وغير ذلك .
وفي قوله { إن الله مع الصابرين } دليل على أنه معان من قبل الله، وأن الله يعين الصابر ويؤيده ويكلؤه حتى يتم له الصبر على ما يحبه الله عز وجل .
ثم ذكر رحمه الله آخر آية ساقها وهي قوله { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم } لنبلونكم لنختبرنكم فالابتلاء بمعنى الاختبار .
يعني أن الله اختبر العباد في فرض الجهاد عليهم ليعلم من يصبر ومن لا يصبر ولهذا قال الله في آية أخرى { ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم } وقوله { حتى نعلم المجاهدين } قد يتوهم بعض من قصر علمه أن الله سبحانه لا يعلم الشيء حتى يقع وهذا غير صحيح فالله يعلم الأشياء قبل وقوعها كما قال { ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير } ومن ادعى أن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه فإنه مكذب لهذه الآية وأمثالها من الآيات الدالة على أن الله تعالى قد علم الأشياء قبل أن تقع .
لكن العلم الذي في هذه الآية { حتى نعلم المجاهدين } هو العمل الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون لا يترتب عليه شيء من جهة فعل العبد لأن العبد لم يبل به حتى يتبين الأمر، فإذا اختبر به العبد حينئذ يتبين أنه استحق الثواب أو العقاب فيكون المراد بقول: { حتى نعلم المجاهدين } أي علماً يترتب عليه الجزاء .
وقال بعض أهل العلم المراد بقوله { حتى نعلم المجاهدين } أي علم ظهور، يعنى حتى يظهر الشيء لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون علم بأنه سيكون وعلمه بعد كونه علم بأنه كان وفرق بين العلمين .
ويظهر الفرق فيما لو قال لك شخص سوف أفعل كذا غداً فالآن حصل عندك علم بما أخبر به ولكن إذا فعله غداً صار عندك علم آخر أي علم بأن الشيء الذي حدثك أنه سيفعله قد فعله فعلاً فهذان وجهان في تفسير قوله { حتى نعلم } وقوله { المجاهدين } المجاهد هو الذي بذل جهده لإعلاء كلمة الله فيشمل المجاهد بعلمه والمجاهد بالسلاح كلاهما مجاهد في سبيل الله فالمجاهد بعلمه يتعلم العلم ويعلمه وينشره بين الناس ويجعل هذا وسيلة لتحكيم شريعة الله هذا مجاهد والذي يحمل السلاح لمقاتلة الأعداء هو أيضاً مجاهد في سبيل الله إذا كان المقصود في الجهادين أن تكون كلمة الله هي العليا .
وقوله { والصابرين } أي الذين يصبرون على ما كلفوا فيه من الجهاد ويحملونه ويقومون به .
وقوله { ونبلو أخباركم } أي نختبرها وتتبين لنا وتظهر لنا ظهوراً يترتب عليه الثواب والعقاب لما ذكر الله هذا الابتلاء قال { وبشر الصابرين } والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل من يبلغه هذا الخطاب .
يعني بشر يا محمد وبشر يا من يبلغه هذا الكلام الصابرين الذين يصبرون على هذه البلوى فلا يقابلونها بالتسخط وإنما يقابلونها بالصبر .
وأكمل من ذلك أن يقابلونها بالرضا وأكمل من ذلك أن يقابلوها بالشكر كما مر علينا في مراتب التحمل في أقدار الله المؤلمة .
وقوله { قالوا إنا لله } إذا أصابتهم مصيبة اعترفوا لله عز وجل بعموم ملكه وأنهم ملك لله ولله أن يفعل في ملكه ما شاء ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لإحدى بناته قال فإن لله ما أخذ وله ما أبقى فأنت ملك لربك عز وجل يفعل بك ما يشاء حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالى .
ثم قال { وإنا إليه راجعون } يعترفون بأنهم لابد أن يرجعوا إلى الله فيجازيهم إن تسخطوا جازاهم على سخطهم وإن صبروا كما هو شأن هؤلاء القوم فإن الله يجازيهم على صبرهم على هذه المصائب فيبتلي عز وجل بالبلاء ويثيب الصابر عليه .
قال الله عز وجل { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة } أولئك يعني الصابرين والصلوات جمع صلاة وهي ثناء الله عليهم في الملأ الأعلى عند الملائكة .
وقوله { وأولئك هم المهتدون } الذين هداهم الله عز وجل عند حلول المصائب فلم يتسخطوا ولكن صبروا على ما أصابهم وفي هذه الآية دليل على أن صلاة الله عز وجل ليست هي رحمة بل هي أخص وأكمل وأفضل ومن فسرها من العلماء بأن الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الدعاء ومن الآدميين الاستغفار، إن هذا لا وجه له بل الصلاة غير الرحمة لأن الله عطف الرحمة على الصلوات والعطف يقتضي المغايرة ولأن العلماء مجمعون على أنك يجوز لك أن تقول لأي شخص من المؤمنين اللهم ارحم فلاناً .
واختلفوا هل يجوز أن يصلى عليه أو لا يجوز على أقوال ثلاثة فمنهم من أجازها مطلقاً ومنهم من منعها مطلقا ومنهم من أجازها إذا كانت تبعاً والصحيح أنها تجوز إذا كانت تبعاً كما في قوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد أو لم تكن تبعاً ولكن لا سبب كما قال الله { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم } فإذا كان لها سبب ولم تتخذ شعاراً فإنه لا بأس به فلا بأس أن تقول اللهم صل على فلان فلو جاءك رجل وقال لك خذ زكاتي وفرقها على الفقراء فلك أن تقول صلى الله عليك تدعو له بأن الله يصلي عليه كما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك .

أبو ليلى السعدي 10-01-2012 07:05 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
بارك الله فيك وجزاك خيرا وجعل الك في كل حرف حسنة ونفع بك الامه

موضوع في قمه الروعة والجمال موفق

رامي الهندي 13-01-2012 04:10 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحانه الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها رواه مسلم .

الشَّرْحُ
سبق لنا الكلام على الآيات التي ساقها المؤلف رحمه الله في الصبر وثوابه والحث عليه ثم شرع رحمه الله في بيان الأحاديث الواردة في ذلك .
فذكر حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال سبحان الله والحمد لله الحديث إلى قوله والصبر ضياء فبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الصبر ضياء يعني أنه يضيء للإنسان .
يضيء له عندما تحتلك الظلمات وتشتد الكربات فإذا صبر فإن هذا الصبر يكون له ضياء يهديه إلى الحق ولهذا ذكر الله عز وجل أنه من جملة الأشياء التي يستعان بها فهو ضياء للإنسان في قلبه وضياء له في طريقه ومنهاجه وعمله لأنه كلما سار إلى الله عز وجل على طريق الصبر فإن الله تعالى يزيده هدى وضياء في قلبه ويبصره .
أما بقية الحديث فقال عليه الصلاة والسلام الطهور شطر الإيمان الطهور: يعني بذلك طهارة الإنسان
شطر الإيمان نصف الإيمان وذلك لأن الإيمان تخلية وتحلية .
يعني تبرؤا من الشرك والفسوق تبرؤا من المشركين والفساق بحسب ما معهم من الفسق فهو تخل .
وهذا هو الطهور أن يتطهر الإنسان طهارة حسية ومعنوية من كل ما فيه أذى فلهذا جعله الرسول عليه الصلاة والسلام شطر الإيمان .
قوله والحمد لله تملأ الميزان ذكر ابن علان ما مختصره أي هذه الجملة بخصوصها لأنها أفضل صيغ الحمد ولذا بدئ بها الكتاب العزيز .
والحمد لله هو الثناء على الله بالجميل الاختياري والإذعان له والرضا بقضائه والميزان المراد منه حقيقته أي ما توزن به الأعمال إما بأن تجسم الأعمال أو توزن صحائفها فتطيش بالسيئة وتثقل بالحسنة .
وهذه الكلمة كان لها هذا الثوب العظيم بحيث تملأ كفة الميزان مع سعتها لأن معاني الباقيات الصالحات في ضمنها لأن الثناء تارة يكون بإثبات الكمال وتارة بنفي النقص وتارة بالاعتراف بالعجز وتارة بالتفرد بأعلى المراتب والألف واللام في الحمد لاستغراق جنس المدح والحمد مما علمناه وجهلناه وإنما يستحق الإلهية من اتصف بذلك، فاندرج الجميع تحت الحمد لله .
وقوله وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو قال تملأ - ما بين السماوات والأرض شك من الراوي والمعنى لا يختلف أي سبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماوات والأرض وذلك لأن هاتين الكلمتين مشتملتان على تنزيه الله من كل نقص في قوله سبحان الله وعلى وصف الله بكل كمال في قوله والحمد لله فقد جمعت هاتان الكلمتان بين التخلية والتحلية كما يقولون .
فالتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه .
فالله منزه عن كل عيب في أسماءه وصفاته وأفعاله وأحكامه لا تجد في أسمائه اسما يشتمل على نقص أو على عيب ولهذا قال تعالى ولله الأسماء الحسنى ولا تجد في صفاته صفة تشتمل على عيب أو نقص ولهذا قال الله { ولله المثل الأعلى } بعد قوله { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى } فالله عز وجل له الوصف الأكمل الأعلى من جميع الوجوه وله الكمال المنزه عن كل عيب في أفعاله كما قال الله { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين } فليس في خلق الله لعب ولهو وإنما هو خلق مبني على الحكمة .
كذلك أحكامه لا تجد فيها عيبا ولا نقصا كما قال الله { أليس الله بأحكم الحاكمين } وقال عز وجل: { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } والله عز وجل يحمد على كل حال وكان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أصابه ما يسر به قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أصابه سوى ذلك قال الحمد لله على كل حال ثم إن ها هنا كلمة شاعت أخيراً عند كثير من الناس وهي قولهم الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه هذا حمد ناقص لأن قولك على مكروه سواه تعبير يدل على قلة الصبر أو على الأقل على عدم كمال الصبر وأنك كاره لهذا الشيء ولا ينبغي للإنسان أن يعبر هذا التعبير بل ينبغي له أن يعبر بما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعبر به فيقول الحمد لله على كل حال أو يقول الحمد لله الذي لا يحمد على كل حال سواه .
أما التعبير الأول فإنه تعبير واضح على مضادة ما أصابه من الله عز وجل وأنه كاره له وأنا لا أقول إن الإنسان لا يكره مما أصابه من البلاء بطبيعة الإنسان أن يكره ذلك لكن لا تعلن هذا بلسانك في مقام الثناء على الله بل عبر كما عبر النبي صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم والصلاة نور فالصلاة نور للعبد في قلبه وفي وجهه وفي قبره وفي حشره ولهذا تجد أكثر الناس نوراً في الوجوه أكثرهم صلاة وأخشعهم فيها لله عز وجل وكذلك تكون نورا للإنسان في قلبه تفتح عليه باب المعرفة لله عز وجل وباب المعرفة في أحكام الله وأفعاله وأسمائه وصفاته وهي نور في قبر الإنسان لأن الصلاة عمود الإسلام إذا قام العمود قام البناء وإذا لم يقم العمود فلا بناء .
كذلك نور في حشره يوم القيامة كما أخبر بذلك الرسول أن من حافظ عليها كانت له نورا وبرهاناً يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة يوم القيامة وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف فهي نور للإنسان في جميع أحواله وهذا يقتضي أن يحافظ الإنسان عليها وأن يحرص عليها وأن يكثر منها حتى يكثر نوره وعلمه وإيمانه .
وأما الصبر فقال إنه ضياء أي فيه نور لكن نور مع حرارة كما قال الله تعالى { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً } فالضوء لابد فيه من حرارة وهكذا الصبر لابد فيه من حرارة وتعب لأن فيه مشقة كبيرة ولهذا كان أجره بغير حساب .
فالفرق بين النور في الصلاة والضياء في الصبر أن الضياء في الصبر مصحوب بحرارة لما في ذلك من التعب القلبي والبدني في بعض الأحيان .
وقوله الصدقة برهان الصدقة بذل لمال تقربا لله عز وجل للأهل والفقراء والمصالح العامة مثل بناء المساجد وغيرها هذا برهان .
برهان على إيمان العبد وذلك لأن المال محبوب إلى النفوس والنفوس شحيحة به فإذا بذله الإنسان لله فإن الإنسان لا يبذل ما يحب إلا لما هو أحب إليه منه .
ولهذا تجد أكثر الناس إيماناً بالله عز وجل وبالإخلاف تجدهم أكثرهم صدقة ثم قال الرسول عليه الصلاة والسلام والقرآن حجة لك أو عليك لأن القرآن هو حبل الله المتين وهو حجة الله على خلقه فإما أن يكون لك وذلك فيما إذا توصلت به إلى الله وقمت بواجب هذا القرآن العظيم من التصديق بالأخبار وامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتعظيم هذا القرآن الكريم واحترامه ففي هذه الحال يكون حجة لك أما إن كان الأمر بالعكس أهنت القرآن وهجرته لفظاً ومعنى وعملاً ولم تقم بواجبه فإنه يكن عليك شاهداً يوم القيامة ولم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مرتبة بين هاتين المرتبتين .
يعني لم يذكر أن القرآن لا لك ولا عليك لأنه لا بد أن يكون إما لك وإما عليك على كل حال فنسأل الله أن يجعله لنا ولكم حجة نهتدي به في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم قوله كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها أي كل الناس يبدأ يومه من الغدوة بالعمل وهذا شيء مشاهد فإن الله تعالى جعل الليل سكنا وقال { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه } فهذا النوم الذي يكون في الليل هو وفاة صغرى تهدأ فيه الأعصاب ويستريح فيه البدن ويستجد نشاطه للعمل المقبل ويستريح من العمل الماضي .
فإذا كان الصباح وهو الغدوة سار الناس واتجهوا كل لعمله فمنهم من يتجه إلى الخير وهم المسلمون ومنهم من يتجه إلى الشر وهم الكفار والعياذ بالله .
المسلم أول ما يغدو يتوضأ ويتطهر والطهور شطر الإيمان كما في هذا الحديث ثم يذهب فيصلي فيبدأ يومه بعبادة الله عز وجل بل يفتتحه بالتوحيد لأنه يشرع للإنسان إذا استيقظ من نومه أن يذكر الله عز وجل وأن يقرأ عشر آيات من سورة آل عمران وهي قوله { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } إلى آخر السورة هذا المسلم هذا الذي يغدو في الحقيقة بائع نفسه لكن هل باعها بيعاً يعتقها فيه ؟ نعم المسلم باعها بيعاً يعتقها فيه ولهذا قال فبائع نفسه فمعتقها هذا قسم أو موبقها أي بائع نفسه فموبقها .
الكافر يغدو إلى العمل الذي فيه الهلاك لأن معنى أوبقها أي أهلكها وذلك أن الكافر يبدأ يومه بمعصية الله حتى لو بدأ بالأكل والشرب فإن أكله وشربه يعاقب عليه يوم القيامة كل لقمة يرفعها الكافر إلى فمه فإنه يعاقب عليها وكل وشربة يبتلعها من الماء فإنه يعاقب عليها وكل لباس يلبسه فإنه يعاقب عليه .
والدليل على هذا قوله تعالى { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } للذين آمنوا لا غيرهم { خالصة يوم القيامة } يعني ليس عليهم من شوائبها يوم القيامة فمفهوم الآية الكريمة أنها لغير المؤمنين حرام وأنها ليست خالصة لهم يوم القيامة وأنهم سيعاقبون عليها .
وقال الله في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل والآية التي سقتها الآن في سورة الأعراف وهي مكية .
قال في المائدة { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } فمفهوم الآية الكريمة أن على غير المؤمنين جناح فيما طعموه .
فالكافر من حين ما يصبح والعياذ بالله وهو بائع نفسه فيما يهلكها أما المؤمن فبائع نفسه فيما يعتقها وينجيها من النار نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم .
في آخر هذا الحديث بين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الناس ينقسمون إلى قسمين قسم يكون القرآن حجة لهم كما قال والقرآن حجة لك .
وقسم يكون القرآن حجة عليهم كما قال أو عليك وقسم يعتقون أنفسهم بأعمالهم الصالحة .
وقسم يهلكونها بأعمالهم السيئة والله الموفق

رامي الهندي 17-01-2012 08:32 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنهما أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر متفق عليه .

الشَّرْحُ
قوله إن ناسا من الأنصار إلى قوله حتى نفد ما عنده كان من خلقه الكريم أنه لا يسأل شيئاً يجده إلا أعطاه وما عهد عنه أنه صلى الله عليه وسلم منع سائلاً بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ويعيش في بيته عيش الفقراء وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع فهو عليه الصلاة والسلام أكرم الناس وأشجع الناس .
فلما نفد ما في يده أخبرهم أنه ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم أي لا يمكن أن يدخر خيراً عنهم فيمنعهم ولكن ليس عنده شيء .
ثم حث الرسول عليه الصلاة والسلام على الاستعفاف والاستغناء والصبر فقال ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله .
هذه ثلاثة أمور:
أولا :من يستعفف يعفه الله فمن يستعفف عما حرم الله عليه من النساء يعفه الله عز وجل والإنسان الذي يتبع نفسه هواها فيما يتعلق بالعفة فإنه يهلك والعياذ بالله لأنه إذا أتبع نفسه هواها وصار يتتبع النساء فإنه يهلك .
تزني العين وتزني الأذن وتزني اليد وتزني الرجل ثم يزني الفرج وهو الفاحشة والعياذ بالله فإذا استعف الإنسان عن هذا المحرم أعفه الله عز وجل وحماه وحمى أهله أيضاً .
ثانياً :من يستغن يغنه الله أي من يستغن بما عند الله عما في أيدي الناس يغنه الله عز وجل وأما من يسأل الناس ويحتاج لما عندهم فإنه سيبقى قلبه فقيراً والعياذ بالله ولا يستغني .
والغنى غنى القلب فإذا استغنى الإنسان بما عند الله عما في أيدي الناس أغناه الله عن الناس وجعله عزيز النفس بعيداً عن السؤال .
ثالثاً: من يتصبر يصبره الله أن يعطه الله الصبر .
فإذا حبست نفسك عما حرم الله عليك وصبرت على ما عندك من الحاجة والفقر ولم تلح على الناس بالسؤال فإن الله تعالى يصبرك ويعينك على الصبر وهذا هو الشاهد من الحديث لأنه في باب الصبر .
ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر أي ما من الله على أحد بعطاء من رزق أو غيره خيرا وأوسع من الصبر لأن الإنسان إذا كان صبوراً تحمل كل شيء إن أصابته الضراء صبر وإن عرض له الشيطان بفعل المحرم صبر وإن خذله الشيطان عن ما أمر الله صبر .
فإذا كان الإنسان قد من الله عليه بالصبر فهذا خير ما يعطاه الإنسان وأوسع ما يعطاه ولذلك تجد الإنسان الصبور لو أذى من قبل الناس لو سمع منهم ما يكره لو حصل منهم اعتداء عليه تجده هادئ البال لا يتصلب ولا يغضب لأنه صابر على ما ابتلاه الله به فلذلك تجد قلبه دائماً مطمئناً ونفسه مستريحة .
ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم ما أعطى أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر والله الموفق .

رامي الهندي 18-01-2012 05:24 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له رواه مسلم .

الشَّرْحُ
صهيب هو الرومي وقوله عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير أي إن الرسول عليه الصلاة والسلام أظهر العجب على وجه الاستحسان لأمر المؤمن أي لشأنه فإن شأنه كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن .
ثم فصل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الأمر الخير فقال إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له هذه حال المؤمن وكل إنسان فإنه في قضاء الله وقدره بين أمرين:
إما سراء وإما ضراء والناس في هذه الإصابة ينقسمون إلى قسمين مؤمن وغير مؤمن فالمؤمن على كل حال ما قدر الله له فهو خير له إن أصابته الضراء صبر على أقدار الله وانتظر الفرج من الله واحتسب الأجر على الله فكان خيراً له فنال بهذا أجر الصابرين .
وإن أصابته سراء من نعمة دينية كالعلم والعمل الصالح ونعمة دنيوية كالمال والبنين والأهل شكر الله وذلك بالقيام بطاعة الله عز وجل .
فيشكر الله فيكون خيراً له، ويكون عليه نعمتان نعمة الدين ونعمة الدنيا نعمة الدنيا بالسراء ونعمة الدين بالشكر هذه حال المؤمن .
وأما الكافر فهو على شر والعياذ بالله إن أصابته الضراء لم يصبر بل يضجر ودعا بالويل والثبور وسب الدهر وسب الزمن بل وسب الله عز وجل .
وإن أصابته سراء لم يشكر الله فكانت هذه السراء عقابا عليه في الآخرة لأن الكافر لا يأكل أكلة ولا يشرب شربة إلا كان عليه فيها إثم وإن كان ليس فيها إثم بالنسبة للمؤمن لكن على الكافر إثم كما قال الله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة هي للذين آمنوا خالصة لهم يوم القيامة أما الذين لا يؤمنون فليست لهم ويأكلونها حراماً عليهم ويعاقبون عليها يوم القيامة .
فالكافر شر سواء أصابته الضراء أم السراء بخلاف المؤمن فإنه على خير .
وفي هذا الحديث الحث على الإيمان وأن المؤمن دائماً في خير ونعمة .
وفي الحث على الصبر على الضراء وأن ذلك من خصال المؤمنين فإذا رأيت نفسك عند إصابة الضراء صابراً محتسباً تنتظر الفرج من الله سبحانه وتعالى وتحتسب الأجر على الله فذلك عنوان الإيمان، وإن رأيت بالعكس فلم نفسك وعدل مسيرك وتب إلى الله .
وفي هذا الحديث الحث على الشكر عند السراء لأنه إذا شكر الإنسان ربه على نعمة فهذا من توفيق الله له وهو من أسباب زيادة النعم كما قال الله { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } وإذا وفق الله العبد لشكره فهذه نعمة تحتاج إلى شكرها مرة ثانية فإذا وفق فهي نعمة تحتاج إلى شكرها مرة ثالثة وهكذا لأن الشكر قل من يقوم به فإذا من الله عليك وأعانك عليه فهذه نعمة .
ولهذا قال بعضهم:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
وصدق - رحمه الله - فإن الله إذا وفقك للشكر فهذه نعمة تحتاج إلى شكر جديد فإن شكرت فإنها نعمة تحتاج إلى شكر ثان وهلم جرا ولكننا في الحقيقة في غفلة من هذا نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وقلوبكم ويصلح أعمالنا وأعمالكم إنه جواد كريم

رامي الهندي 22-01-2012 05:29 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل قال إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة يريد عينيه رواه البخاري .

الشَّرْحُ
نقل المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله من الأحاديث الواردة في الصبر حديث عائشة وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أما حديث عائشة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الطاعون رجس أي عذاب أرسله الله سبحانه وتعالى من يشاء من عباده .
والطاعون قيل إنه وباء معين وقيل إنه كل وباء عام يحل بالأرض فيصيب أهلها ويموت الناس منه .
وسواء كان معيناً أم كل وباء عام مثل الكوليرا وغيرها فإن هذا الطاعون رجس عذاب أرسله الله عز وجل ولكنه رحمة للمؤمن إذا نزل بأرضه وبقي فيها صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له فإن الله يكتب له مثل أجر الشهيد ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه إذا وقع الطاعون في أرض فإننا لا نقدم عليها لأن الإقدام عليها إلقاء بالنفس إلى التهلكة ولكنه إذا وقع في أرض فإننا لا نخرج منها فراراً منه لأنك مهما فررت من قدر الله إذا نزل بالأرض فإن هذا الفرار لن يغني عنك من الله شيئاً .
واذكر القصة التي قصها الله علينا في الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم ليبين لهم أنه لا مفر من قضاء الله إلا إلى الله .
خرجوا من ديارهم وهم ألوف - قال بعض العلماء في تفسير الآية إنه نزل في الأرض وباء فخرجوا منها فقال لهم الله موتوا فماتوا ثم أحياهم حتى يتبين لهم أنه لا مفر من الله إلا إليه .
ففي حديث عائشة رضي الله عنها دليل على فضل الصبر والاحتساب وأن الإنسان إذا صبر نفسه في الأرض التي نزل فيها الطاعون ثم مات به كتب الله له مثل أجر الشهيد .
وذلك أن الإنسان إذا نزل الطاعون في أرضه فإن الحياة غالية عند الإنسان سوف يهرب يخاف من الطاعون فإذا صبر وبقي واحتسب الأجر وعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له ثم مات به فإنه يكتب له مثل أجر الشهيد وهذا من نعمة الله عز وجل .
أما حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ففيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عن ربه تبارك وتعالى إنه ما من إنسان يقبض الله حبيبتيه يعني عينيه فيعمى ثم يصبر إلا عوضه الله بهما الجنة لأن العين محبوبة للإنسان فإذا أخذهما الله سبحانه وتعالى وصبر الإنسان واحتسب فإن الله يعوضه بهما الجنة .
والجنة تساوي كل الدنيا بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها أي مقدار متر لأن ما في الآخرة باق لا يفنى ولا يزول والدنيا كلها فانية زائلة فلهذا كانت هذه المساحة القليلة من الجنة خيراً من الدنيا وما فيها .
واعلم أن الله سبحانه إذا قبض من الإنسان حاسة من حواسه فإن الغالب أن الله يعوضه في الحواس ما يخفف عليه ألم فقد هذه الحاسة التي فقدها .
فالأعمى يمن عليه بقوة الإحساس والإدراك حتى أن بعض الناس إذا كان أعمى تجده في السوق يمشي وكأنه مبصر يحس بالمنعطفات في الأسواق ويحس بالمنحدرات وبالمرتفعات حتى أن بعضهم يتفق مع صاحب السيارة - سيارة الأجرة - يركب معه من أقصى البلد إلى بيته وهو يقول لصاحب السيارة تيامن تياسر حتى يوقفه عند بابه لأن صاحب السيارة لا يعرف البيت والله الموفق .

رامي الهندي 27-01-2012 02:41 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 

- وعن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وابن حبه رضي الله عنهما قال أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم إن ابني قد احتضر فاشهدنا فأرسل يقرئ السلام ويقول إن لله ما أخذ، وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال رضي الله عنهم فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي فأقعده في حجره ونفسه تقعقع ففاضت عيناه فقال سعد يا رسول الله ما هذا فقال هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده وفي رواية في قلوب من شاء من عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء متفق عليه ومعنى تقعقع تتحرك وتضطرب

الشَّرْحُ
أسامة بن زيد بن حارثة وزيد بن حارثة كان مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عبداً فأهدته إليه خديجة رضي الله عنها فأعتقه فصار مولى له وكان يلقب بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أي حبيبه وابنه حب فأسامه حبه وابن حبه رضي الله عنهما ذكر أن إحدى بنات الرسول صلى الله عليه وسلم أرسلت إليه رسولاً تقول له إن ابنها قد احتضر أي حضره الموت وأنها تطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحضر فبلغ الرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى أمر الرسول الرسول بهذا قوله فلتصبر أي فلتحبس نفسها عن السخط وتتحمل المصيبة .
وقوله ولتحتسب أي تحتسب الأجر على الله بصبرها لأن الناس من يصبر ولا يحتسب يصبر على المصيبة ولا يتضجر لكنه ما يؤمل أجرها على الله فيفوته بذلك خير كثير لكن إذا صبر واحتسب الأجر على الله فهذا هو الاحتساب .
قوله: فإن لله ما أخذ وله ما أعطى هذه جملة عظيمة إذا كان الشيء كله لله إن أخذ منك شيئاً فهو ملكه وإن أعطاك شيئا فهو ملكه فكيف تسخط إذا أخذ منك ما يملكه هو .
عليك إذا أخذ الله منك شيئا محبوبا لك أن تقول هذا لله أن يأخذ ما شاء وله أن يعطي ما شاء .
ولهذا يسن للإنسان إذا أصيب بمصيبة أن يقول إنا لله وإنا إليه راجعون يعني نحن ملك لله يفعل بنا ما يشاء كذلك ما نحبه إذا أخذه من بين أيدينا فهو له عز وجل حتى الذي يعطيك أنت لا تملكه هو لله ولهذا لا يمكن أن تتصرف فيما أعطاك الله إلا على الوجه الذي أذن لك فيه وهذا دليل على أن ملكنا لما يعطينا الله ملك قاصر ما نتصرف فيه تصرفاً مطلقاً .
لو أراد الإنسان أن يتصرف في ماله تصرفاً مطلقا على وجه لم يأذن به الشرع قلنا له أمسك لا يمكن لأن المال مال الله كما قال سبحانه وآتوهم من مال الله الذي آتاكم فلا تتصرف فيه إلا على الوجه الذي أذن لك فيه .
ولهذا قال ولله ما أخذ وله ما أعطى فإذا كان لله ما أخذ فكيف نجزع وكيف نتسخط أن يأخذ المالك ما ملك هذا خلاف المعقول والمنقول .
قال وكل شيء عنده بأجل مسمى فكل شيء عنده بمقدار كما قال الله في القرآن الكريم { وكل شيء عنده بمقدار } بمقدار في زمانه ومكانه وذاته وصفاته وكل ما يتعلق به فهو عند الله مقدر وأجل مسمى أي معين فإذا أيقنت بهذا اقتنعت وهذه الجملة الأخيرة تعني أن الإنسان لا يمكن أن يغير المكتوب المؤجل لا بتقديم ولا بتأخير كما قال الله { لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } فإذا كان الشيء مقدرا لا يتقدم ولا يتأخر فلا فائدة من الجزع والتسخط لأنه وإن جزعت أو تسخطت لن تغير شيئاً من المقدور .
ثم إن الرسول أبلغ البنت أن ما أمره أن يبلغه إياها ولكنها أرسلت إليه تطلب أن يحضر فقام عليه الصلاة والسلام هو وجماعة من أصحابه فوصل إليها فرفع إليه الصبي ونفسه تتقعقع أي تضطرب تصعد وتنزل فبكى الرسول عليه الصلاة والسلام ودمعت عيناه فقال سعد بن عبادة - وكان معه وهو سيد الخزرج - ما هذا ؟ ظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم بكى جزعاً فقال الرسول عليه الصلاة والسلام هذه رحمة أي بكيت رحمة بالصبي لا جزعا بالمقدور ثم قال عليه الصلاة والسلام إنما يرحم الله من عباده الرحماء في هذا دليل على جواز البكاء رحمة بالمصاب إذا رأيت مصابا في عقله أو بدنه فبكيت رحمة به فهذا دليل على أن الله جعل في قلبك رحمة وإذا جعل الله في قلب الإنسان رحمة كان من الرحماء الذين يرحمهم الله عز وجل نسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته ففي هذا الحديث دليل على وجوب الصبر لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال مرها فلتصبر ولتحتسب وفيه دليل على أن هذه الصيغة من العزاء أفضل صيغة .
أفضل من قول بعض الناس أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك هذه صيغة اختارها بعض العلماء لكن الصيغة التي اختارها الرسول عليه الصلاة والسلام أفضل لأن المصاب إذا سمعها اقتنع أكثر .
والتعزية في الحقيقة ليست تهنئة كما ظنها بعض العوام يحتفل بها ويوضع لها الكراسي وتوضع لها الشموع ويحضر لها القراء والأطعمة لا التعزية تسلية وتقوية للمصاب أن يصبر ولهذا لو أن أحدا لم يصب بالمصيبة كما لو مات له ابن عم ولم يهتم به فإنه لا يعزي ولهذا قال العلماء تسن تعزية المصاب ولم يقولوا تسن تعزية القريب لأن القريب ربما لا يصاب بموت قريبه والبعيد يصاب لقوة صداقة بينهما مثلاً أما الآن مع الأسف انقلبت الموازين وصارت التعزية للقريب حتى وإن فرح وضرب الطبول لموت قريبه فإنه يعزى .
ربما يكون بعض الناس فقيراً وبينه وبين ابن عمه مشاكل كثيرة ومات ابن عمه وله ملايين الدراهم هل يفرح إذا مات ابن عمه في هذه الحال أو يصاب غالباً يفرح ويقول الحمد لله الذي فكنى من مشاكله وورثني ماله .
هذا لا يعزى هذا يهنأ لو أردنا أن نقول شيئا والله الموفق .

رحيل وطن 27-01-2012 02:51 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
شكر الله لك وغفر لشيخنا واسكنه فسيح جناته

رامي الهندي 30-01-2012 08:59 AM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رحيل وطن (المشاركة 387433)
شكر الله لك وغفر لشيخنا واسكنه فسيح جناته

بارك الله فيك

رامي الهندي 30-01-2012 08:59 AM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وابن حبه رضي الله عنهما قال أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم إن ابني قد احتضر فاشهدنا فأرسل يقرئ السلام ويقول إن لله ما أخذ، وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال رضي الله عنهم فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي فأقعده في حجره ونفسه تقعقع ففاضت عيناه فقال سعد يا رسول الله ما هذا فقال هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده وفي رواية في قلوب من شاء من عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء متفق عليه ومعنى تقعقع تتحرك وتضطرب

الشَّرْحُ
أسامة بن زيد بن حارثة وزيد بن حارثة كان مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عبداً فأهدته إليه خديجة رضي الله عنها فأعتقه فصار مولى له وكان يلقب بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أي حبيبه وابنه حب فأسامه حبه وابن حبه رضي الله عنهما ذكر أن إحدى بنات الرسول صلى الله عليه وسلم أرسلت إليه رسولاً تقول له إن ابنها قد احتضر أي حضره الموت وأنها تطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحضر فبلغ الرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى أمر الرسول الرسول بهذا قوله فلتصبر أي فلتحبس نفسها عن السخط وتتحمل المصيبة .
وقوله ولتحتسب أي تحتسب الأجر على الله بصبرها لأن الناس من يصبر ولا يحتسب يصبر على المصيبة ولا يتضجر لكنه ما يؤمل أجرها على الله فيفوته بذلك خير كثير لكن إذا صبر واحتسب الأجر على الله فهذا هو الاحتساب .
قوله: فإن لله ما أخذ وله ما أعطى هذه جملة عظيمة إذا كان الشيء كله لله إن أخذ منك شيئاً فهو ملكه وإن أعطاك شيئا فهو ملكه فكيف تسخط إذا أخذ منك ما يملكه هو .
عليك إذا أخذ الله منك شيئا محبوبا لك أن تقول هذا لله أن يأخذ ما شاء وله أن يعطي ما شاء .
ولهذا يسن للإنسان إذا أصيب بمصيبة أن يقول إنا لله وإنا إليه راجعون يعني نحن ملك لله يفعل بنا ما يشاء كذلك ما نحبه إذا أخذه من بين أيدينا فهو له عز وجل حتى الذي يعطيك أنت لا تملكه هو لله ولهذا لا يمكن أن تتصرف فيما أعطاك الله إلا على الوجه الذي أذن لك فيه وهذا دليل على أن ملكنا لما يعطينا الله ملك قاصر ما نتصرف فيه تصرفاً مطلقاً .
لو أراد الإنسان أن يتصرف في ماله تصرفاً مطلقا على وجه لم يأذن به الشرع قلنا له أمسك لا يمكن لأن المال مال الله كما قال سبحانه وآتوهم من مال الله الذي آتاكم فلا تتصرف فيه إلا على الوجه الذي أذن لك فيه .
ولهذا قال ولله ما أخذ وله ما أعطى فإذا كان لله ما أخذ فكيف نجزع وكيف نتسخط أن يأخذ المالك ما ملك هذا خلاف المعقول والمنقول .
قال وكل شيء عنده بأجل مسمى فكل شيء عنده بمقدار كما قال الله في القرآن الكريم { وكل شيء عنده بمقدار } بمقدار في زمانه ومكانه وذاته وصفاته وكل ما يتعلق به فهو عند الله مقدر وأجل مسمى أي معين فإذا أيقنت بهذا اقتنعت وهذه الجملة الأخيرة تعني أن الإنسان لا يمكن أن يغير المكتوب المؤجل لا بتقديم ولا بتأخير كما قال الله { لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } فإذا كان الشيء مقدرا لا يتقدم ولا يتأخر فلا فائدة من الجزع والتسخط لأنه وإن جزعت أو تسخطت لن تغير شيئاً من المقدور .
ثم إن الرسول أبلغ البنت أن ما أمره أن يبلغه إياها ولكنها أرسلت إليه تطلب أن يحضر فقام عليه الصلاة والسلام هو وجماعة من أصحابه فوصل إليها فرفع إليه الصبي ونفسه تتقعقع أي تضطرب تصعد وتنزل فبكى الرسول عليه الصلاة والسلام ودمعت عيناه فقال سعد بن عبادة - وكان معه وهو سيد الخزرج - ما هذا ؟ ظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم بكى جزعاً فقال الرسول عليه الصلاة والسلام هذه رحمة أي بكيت رحمة بالصبي لا جزعا بالمقدور ثم قال عليه الصلاة والسلام إنما يرحم الله من عباده الرحماء في هذا دليل على جواز البكاء رحمة بالمصاب إذا رأيت مصابا في عقله أو بدنه فبكيت رحمة به فهذا دليل على أن الله جعل في قلبك رحمة وإذا جعل الله في قلب الإنسان رحمة كان من الرحماء الذين يرحمهم الله عز وجل نسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته ففي هذا الحديث دليل على وجوب الصبر لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال مرها فلتصبر ولتحتسب وفيه دليل على أن هذه الصيغة من العزاء أفضل صيغة .
أفضل من قول بعض الناس أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك هذه صيغة اختارها بعض العلماء لكن الصيغة التي اختارها الرسول عليه الصلاة والسلام أفضل لأن المصاب إذا سمعها اقتنع أكثر .
والتعزية في الحقيقة ليست تهنئة كما ظنها بعض العوام يحتفل بها ويوضع لها الكراسي وتوضع لها الشموع ويحضر لها القراء والأطعمة لا التعزية تسلية وتقوية للمصاب أن يصبر ولهذا لو أن أحدا لم يصب بالمصيبة كما لو مات له ابن عم ولم يهتم به فإنه لا يعزي ولهذا قال العلماء تسن تعزية المصاب ولم يقولوا تسن تعزية القريب لأن القريب ربما لا يصاب بموت قريبه والبعيد يصاب لقوة صداقة بينهما مثلاً أما الآن مع الأسف انقلبت الموازين وصارت التعزية للقريب حتى وإن فرح وضرب الطبول لموت قريبه فإنه يعزى .
ربما يكون بعض الناس فقيراً وبينه وبين ابن عمه مشاكل كثيرة ومات ابن عمه وله ملايين الدراهم هل يفرح إذا مات ابن عمه في هذه الحال أو يصاب غالباً يفرح ويقول الحمد لله الذي فكنى من مشاكله وورثني ماله .
هذا لا يعزى هذا يهنأ لو أردنا أن نقول شيئا والله الموفق .

ابو السفر 30-01-2012 12:23 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
بارك الله فيك أخي رامي ونفع بك الإسلام استمر ولا تنقطع
ورحم الله العلامة ابن عثيمين

رامي الهندي 05-02-2012 05:33 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 

- وعن أنس رضي الله عنه قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله واصبري فقالت إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت لم أعرفك فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى متفق عليه وفي رواية لمسلم تبكي على صبي لها

الشَّرْحُ
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة وهي عند قبر صبي لها قد مات وكانت تحبه حباً شديداً فلم تملك نفسها أن تخرج إلى قبره لتبكي عنده فلما رآها الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها بتقوى الله والصبر .
قال لها: اتقي الله واصبري فقالت له إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي إليك عني أي أبعد عني .
وهذا يدل على أن المصيبة قد بلغت منها مبلغاً عظيماً، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم عنها .
ثم قيل لها إن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فندمت وجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بابه وليس على الباب بوابون أي ليس عنده أحد يمنع الناس من الدخول عليه فأخبرته وقالت إنني لم أعرفك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الصبر عند الصدمة الأولى الصبر الذي يثاب عليه الإنسان هو أن يصبر أول ما تصيبه المصيبة هذا هو الصبر أما الصبر بعد ذلك فإن هذا ربما يكون تسلياً كما تتسلى البهائم فالصبر حقيقة أن الإنسان إذا صدم أول ما يصدم ويصبر ويحتسب ويحسن أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها .
ففي هذا الحديث عدة فوائد:
أولاً :حسن خلق الرسول عليه الصلاة والسلام ودعوته إلى الحق وإلى الخير فإنه لما رأى هذه المرأة تبكي عند القبر أمرها بتقوى الله والصبر .
ولما قالت إليك عني لم ينتقم لنفسه ولم يضربها ولم يقمها بالقوة لأنه عرف أنه أصابها من الحزن ما لا تستطيع أن تملك نفسها ولهذا خرجت من بيتها لتبكي على هذا القبر فإن قال قائل أليست زيارة القبور حراماً على النساء قلنا بلى هي حرام على النساء بل هي من كبائر الذنوب لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج لكن هذه لم تخرج للزيارة وإنما خرجت لما في قلبها من لوعة فراق هذا الصبي والحزن الشديد لم تملك نفسها أن تأتي ولهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام ولم يقمها بالقوة ولم يجبرها أن ترجع إلى بيتها .
ومن فوائد هذا الحديث أن الإنسان يعذر بالجهل سواء أكان جهلاً بالحكم الشرعي أم جهلاً بالحال فإن هذه المرأة قالت للرسول صلى الله عليه وسلم إليك عني وقد أمرها بالخير والتقوى والصبر ولكنها لم تعرف أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهذا عذرها الرسول عليه الصلاة والسلام .
ومنها أنه لا ينبغي للإنسان المسؤول عن حوائج المسلمين أن يجعل على بيته بواباً يمنع الناس إذا كان الناس يحتاجون إليه إلا إذا كان الإنسان يخشى من كثرة الناس وإرهاق الناس وإشغال الناس عن شيء يمكن أن يتداركوا شغلهم في وقت آخر فلهذا لا بأس به .
وما جعل الاستئذان إلا من أجل النظر كما في الحديث وإلا من أجل أن الإنسان يتصرف في بيته في إدخال من شاء ومنع من شاء .
ومن فوائده أن الصبر الذي يحمد فاعله الصبر عند الصدمة الأولى يصبر الإنسان ويحتسب ويعلم أن لله ما أخذ وله ما أعطى وأن كل شيء عنده بأجل مسمى .
ومنها أن البكاء عند القبر ينافي الصبر ولهذا قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم اتقي الله واصبري .
ويوجد من الناس من يبتلى فإذا مات له ميت صار يتردد على قبره ويبكي عنده وهذا ينافي الصبر بل نقول إن شئت أن تنفع الميت فادع الله وأنت في بيتك ولا حاجة أن تتردد على القبر لأنه يجعل الإنسان يتخيل هذا الميت دائماً في ذهنه ولا يغيب عنه وحينئذ لا ينسى المصيبة أبداً مع أن الأفضل للإنسان أن يتلهى وأن ينسى المصيبة بقدر ما يستطيع والله الموفق .

رامي الهندي 11-02-2012 04:08 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 


- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة رواه البخاري .

الشَّرْحُ
هذا الحديث يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله ويسمي العلماء - رحمهم الله - هذا القسم من الحديث، الحديث القدسي لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رواه عن الله .
والصفي من يصطفيه الإنسان ويختاره من ولد، وأخ أو عم أو أب أو أم أو صديق المهم أن ما يصطفيه الإنسان ويختاره ويرى أنه ذو صلة منه قوية إذا أخذه الله عز وجل ثم احتسبه الإنسان، فليس له جزاء إلا الجنة .
ففي هذا دليل على فضيلة الصبر على قبض الصفي من الدنيا وأن الله عز وجل يجازي الإنسان إذا احتسب يجازيه الجنة .
وفيه دليل على فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه على عباده فإن الملك ملكه والأمر أمره وأنت وصفيك كلاكما لله عز وجل ومع ذلك إذا قبض الله صفي الإنسان واحتسب فإن له هذا الجزاء العظيم .
وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد الإشارة إلى أفعال الله من قوله إذا قبضت صفيه ولا شك أن الله سبحانه فعال لما يريد ولكن يجب علينا أن نعلم أن فعل الله كله خير لا ينسب الشر إلى الله أبداً والشر إذا وقع فإنما يقع في المفعولات ولا يقع في الفعل .
فمثلاًَ إذا قدر الله على الإنسان ما يكره فلا شك أن ما يكره الإنسان بالنسبة إليه شر لكن الشر في هذا القدر لا في تقدير الله لأن الله لا يقدره إلا لحكمة عظيمة إما للمقدر عليه وإما لعامة الخلق .
أحياناً تكون الحكمة خاصة في المقدر عليه وأحياناً في الخلق على سبيل العموم .
المقدر عليه إذا قدر الله عليه شراً وصبر واحتسب نال بذلك خيراً، إذا قدر الله عليه شراً ورجع إلى ربه بسبب هذا الأمر لأن الإنسان إذا كان في نعمة دائماً قد ينسى شكر المنعم عز وجل ولا يلتفت إلى الله فإذا أصيب بالضراء تذكر ورجع إلى ربه سبحانه وتعالى ويكون في ذلك فائدة عظيمة له .
أما بالنسبة للآخرين فإن هذا المقدر على الشخص إذا ضره قد ينتفع به الآخرون .
ولنضرب لذلك مثلاً برجل عنده بيت من الطين فأرسل الله مطراً غزيراً دائماً فإن صاحب هذا البيت يتضرر لكن المصلحة العامة للناس مصلحة ينتفعون بها .
صار هذا شراً على شخص وخيراً للآخرين ومع ذلك فكونه شراً لهذا الشخص أمر نسبي إذ أنه شر من وجه لكنه خير له من وجه آخر فيتعظ به ويعلم أن الملجأ هو الله عز وجل لا ملجأ إلا إليه فيستفيد من هذا فائدة أكبر مما حصل له من المضرة .
المهم أن المؤلف ذكر هذا الحديث في باب الصبر لأن فيه فائدة عظيمة فيما إذا صبر الإنسان على قبض صفيه أنه ليس له جزاء إلا الجنة والله الموفق

رامي الهندي 15-02-2012 07:35 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 

- وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد رواه البخاري
- وعن أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل قال إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة يريد عينيه رواه البخاري .

الشَّرْحُ
نقل المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله من الأحاديث الواردة في الصبر حديث عائشة وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أما حديث عائشة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الطاعون رجس أي عذاب أرسله الله سبحانه وتعالى من يشاء من عباده .
والطاعون قيل إنه وباء معين وقيل إنه كل وباء عام يحل بالأرض فيصيب أهلها ويموت الناس منه .
وسواء كان معيناً أم كل وباء عام مثل الكوليرا وغيرها فإن هذا الطاعون رجس عذاب أرسله الله عز وجل ولكنه رحمة للمؤمن إذا نزل بأرضه وبقي فيها صابراً محتسباً يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له فإن الله يكتب له مثل أجر الشهيد ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه إذا وقع الطاعون في أرض فإننا لا نقدم عليها لأن الإقدام عليها إلقاء بالنفس إلى التهلكة ولكنه إذا وقع في أرض فإننا لا نخرج منها فراراً منه لأنك مهما فررت من قدر الله إذا نزل بالأرض فإن هذا الفرار لن يغني عنك من الله شيئاً .
واذكر القصة التي قصها الله علينا في الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم ليبين لهم أنه لا مفر من قضاء الله إلا إلى الله .
خرجوا من ديارهم وهم ألوف - قال بعض العلماء في تفسير الآية إنه نزل في الأرض وباء فخرجوا منها فقال لهم الله موتوا فماتوا ثم أحياهم حتى يتبين لهم أنه لا مفر من الله إلا إليه .
ففي حديث عائشة رضي الله عنها دليل على فضل الصبر والاحتساب وأن الإنسان إذا صبر نفسه في الأرض التي نزل فيها الطاعون ثم مات به كتب الله له مثل أجر الشهيد .
وذلك أن الإنسان إذا نزل الطاعون في أرضه فإن الحياة غالية عند الإنسان سوف يهرب يخاف من الطاعون فإذا صبر وبقي واحتسب الأجر وعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له ثم مات به فإنه يكتب له مثل أجر الشهيد وهذا من نعمة الله عز وجل .
أما حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ففيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عن ربه تبارك وتعالى إنه ما من إنسان يقبض الله حبيبتيه يعني عينيه فيعمى ثم يصبر إلا عوضه الله بهما الجنة لأن العين محبوبة للإنسان فإذا أخذهما الله سبحانه وتعالى وصبر الإنسان واحتسب فإن الله يعوضه بهما الجنة .
والجنة تساوي كل الدنيا بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها أي مقدار متر لأن ما في الآخرة باق لا يفنى ولا يزول والدنيا كلها فانية زائلة فلهذا كانت هذه المساحة القليلة من الجنة خيراً من الدنيا وما فيها .
واعلم أن الله سبحانه إذا قبض من الإنسان حاسة من حواسه فإن الغالب أن الله يعوضه في الحواس ما يخفف عليه ألم فقد هذه الحاسة التي فقدها .
فالأعمى يمن عليه بقوة الإحساس والإدراك حتى أن بعض الناس إذا كان أعمى تجده في السوق يمشي وكأنه مبصر يحس بالمنعطفات في الأسواق ويحس بالمنحدرات وبالمرتفعات حتى أن بعضهم يتفق مع صاحب السيارة - سيارة الأجرة - يركب معه من أقصى البلد إلى بيته وهو يقول لصاحب السيارة تيامن تياسر حتى يوقفه عند بابه لأن صاحب السيارة لا يعرف البيت والله الموفق .

رامي الهندي 18-02-2012 02:25 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي أن نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون متفق عليه .

الشَّرْحُ
هذا الحديث يحكي الرسول صلى الله عليه وسلم فيه شيئاً مما جرى للأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأنبياء كلفهم الله بالرسالة لأنهم أهل لها كما قال الله تعالى {الله أعلم حيث يجعل رسالته} فهم أهل لها في التحمل والتبليغ والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك .
وكان الرسل عليهم الصلاة والسلام يؤذون بالقول والفعل وربما بلغ الأمر إلى قتلهم وقد بين الله ذلك في كتابه حيث قال لنبيه { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى آتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية } أي إن استطعت أن تفعل ذلك فافعل { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } ولكن لحكمة اقتضت أن يكذبوك حتى يتبين الحق من الباطل بعد المصارعة والمجادلة { فلا تكونن من الجاهلين } حكى نبينا صلى الله عليه وسلم عن نبي من الأنبياء أن قومه ضربوه ولم يضربوه إلا حيث كذبوه حتى أدموا وجهه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
هذا غاية ما يكون من الصبر لأن الإنسان لو ضرب على شيء من الدنيا لاستشاط غضباً وانتقم ممن ضربه وهذا يدعوا إلى الله ولا يتخذ على دعوته أجراً مع هذا يضربونه حتى يدموا وجهه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
وهذا الذي حدثنا به الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدثنا به عبثا أو لأجل أن يقطع الوقت علينا بالحديث وإنما حدثنا بذلك من أجل أن نتخذ به عبرة نسير عليها كما قال سبحانه { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } العبرة من هذا أن نصبر على ما نؤذي به من قول أو فعل في سبيل الدعوة إلى الله وأن نقول متمثلين
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
وأن نصبر على ما يصيبنا مما نسمعه أو ينقل إلينا مما يقال فينا بسبب الدعوة إلى الله وأن نرى أن هذا رفعة لدرجاتنا وتكفير لسيئاتنا فعسى أن يكون في دعوتنا خلل من نقص في الإخلاص أو من كيفية الدعوة وطريقها فيكون هذا الأذى الذي نسمع يكون كفارة لما وقع منا لأن الإنسان مهما عمل فهو ناقص لا يمكن أن يكمل عمله أبداً إلا أن يشاء الله فإذا أصيب وأوذي في سبيل الدعوة إلى الله فإن هذا من باب تكميل دعوته ورفعة درجته وليحتسب ولا ينكص على عقبيه لا يقول لست بملزم أنا أصابني الأذى أنا تعبت بل الواجب الصبر الدنيا ليست طويلة أيام ثم تزول فاصبر حتى يأتي الله بأمره وفي قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحكي لنا فيه دليل على أن المحدث أو المخبر يخبر بما يؤيد ضبطه للخبر والحديث وهو أمر شائع عند جميع الناس يقول كأني أنظر إلى فلان وهو يقول كذا وكذا أي إني ضبطت القصة فإذا استعمل الإنسان مثل هذا الأسلوب لتثبيت ما يحدث به فله في ذلك أسوة من السلف الصالح رضي الله عنه والله الموفق

رامي الهندي 25-02-2012 04:18 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 

- وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه متفق عليه و الوصب المرض
- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً قال أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم قلت ذلك أن لك أجرين قال أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته وحطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها متفق عليه و الوعك مغث الحمى وقيل الحمى .

الشَّرْحُ
في حديث أبي سعيد وأبي هريرة وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين فيه دليل على أن الإنسان يكفر عنه بما يصيبه من الهم والنصب والغم وغير ذلك وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى يبتلي سبحانه وتعالى عبده بالمصائب وتكون تكفيراً لسيئاته وحطا لذنوبه والإنسان في هذه الدنيا لا يمكن أن يبقى مسروراً دائما بل هو يوم يسر ويوم يحزن ويوم يأتيه شيء ويوم لا يأتيه فهو مصاب بمصائب في نفسه ومصائب في بدنه ومصائب في مجتمعه ومصائب في أهله ولا تحصى المصائب التي تصيب الإنسان ولكن المؤمن أمره كله خير إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له فإذا أصبت بالمصيبة فلا تظن أن هذا الهم الذي يأتيك أو هذا الألم الذي يأتيك ولو كان شوكة لا تظن أنه يذهب سدى بل ستعوض عنه خيراً منه ستحط عنك الذنوب كما تحط الشجرة ورقها وهذا من نعمة الله .
وإذا زاد الإنسان على ذلك الصبر الاحتساب أي احتساب الأجر كان له مع هذا أجر فالمصائب تكون على وجهين:
1 - تارة إذا أصيب الإنسان تذكر الأجر واحتسب هذه المصيبة على الله فيكون فيها فائدتان تكفير الذنوب وزيادة الحسنات .
2 - وتارة يغفل عن هذا فيضيق صدره ويغفل عن نية الاحتساب والأجر على الله فيكون في ذلك تكفير لسيئاته إذا هو رابح على كل حال في هذه المصائب التي تأتيه فإما أن يربح تكفير السيئات وحط الذنوب بدون أن يحصل له أجر لأنه لم ينو شيئاً ولم يصبر ولم يحتسب الأجر وإما أن يربح شيئين كما تقدم .
ولهذا ينبغي للإنسان إذا أصيب ولو بشوكة فليتذكر الاحتساب من الله على هذه المصيبة وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى وجوده وكرمه حيث يبتلي المؤمن ثم يثيبه على هذه البلوى أو يكفر عنه سيئاته فالحمد لله رب العالمين .

رامي الهندي 27-02-2012 03:19 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 


- وعن أبي عبد الله خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا ؟ فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون رواه البخاري .

وفي رواية وهو متوسد بردة وقد لقينا من المشركين شدة


الشَّرْحُ

حديث أبي عبد الله خباب بن الأرت رضي الله عنه يحكي ما وجده المسلمون من الأذية من كفار قريش في مكة فجاؤوا يشكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن من كان قبلنا ابتلي في دينه أعظم مما ابتلي به هؤلاء يحفر له حفرة ثم يلقى فيها ثم يؤتى بالمنشار على مفرق رأسه ويشق، وأيضا يمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه وهذا تعزير عظيم وأذية عظيمة .

ثم أقسم عليه الصلاة والسلام أن الله سبحانه سيتم هذا الأمر يعني سيتم ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من دعوة الإسلام حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون أي فاصبروا وانتظروا الفرج من الله فإن الله سيتم هذا الأمر وقد صار الأمر كما أقسم عليه الصلاة والسلام ففي هذا الحديث آية من آيات الله حيث وقع الأمر مطابقاً لما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام .

وآية من آيات النبي عليه الصلاة والسلام حيث صدقه الله بما أخبر به وهذه شهادة له من الله بالرسالة كما قال الله لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً وفيه أيضاً دليل على وجوب الصبر على أذية أعداء المسلمين وإذا صبر الإنسان ظفر فالواجب على الإنسان أن يقابل ما يحصل من أذية الكفار بالصبر والاحتساب وانتظار الفرج ولا يظن الأمر ينتهي بسرعة وينتهي بسهولة .

قد يبتلي الله عز وجل المؤمنين بالكفار يؤذنهم وربما يقتلونهم كما قتلوا الأنبياء .

اليهود من بني إسرائيل قتلوا الأنبياء الذين هم أعظم من الدعاة وأعظم من المسلمين، فليصبر ولينتظر الفرج ولا يمل ولا يضجر بل يبقى راسيا كالصخرة والعاقبة للمتقين والله تعالى مع الصابرين .

فإذا صبر وثابر وسلك الطرق توصل إلى المقصود ولكن بدون فوضى وبدون استنفار وبدون إثارة بطريق منظمة لأن أعداء المسلمين من المنافقين والكفار يمشون على خطا ثابتة منظمة ويحصلون مقصودهم .

أما السطحيون الذين تأخذهم العواطف حتى يثوروا ويستنفروا فإنه قد يفوتهم شيء كثير وربما حصل منهم زلة تفسد كل ما بنوا إن كانوا قد بنوا شيئاً .

لكن المؤمن يصبر ويتئد ويعمل بتؤده ويوطن نفسه ويخطط تخطيطاً منظماً يقضي به على أعداء الله من المنافقين والكفار ويفوت عليهم الفرص لأنهم يتربصون الدوائر بأهل الخير يريدون أن يثيروهم حتى إن حصل من بعضهم ما يحصل حينئذ استعلوا عليهم وقالوا هذا الذي نريد وحصل بذلك شر كبير .

فالرسول عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه اصبروا فالمؤمن فيمن قبلكم - وأنتم أحق بالصبر منه - كان يعمل به هذا العمل ويصبر فأنتم يا أمة محمد أمة الصبر والإحسان فاصبروا حتى يأتي الله بأمره والعاقبة للمتقين .

فأنت أيها الإنسان لا تسكت عن الشر ولكن اعمل بنظام وبتخطيط وبحسن تصرف وانتظر الفرج من الله ولا تمل فالدرب طويل لا سيما إذا كنت أول الفتنة فإن القائمين بها سوف يحاولون ما استطاعوا أن يصلوا إلى قمة ما يريدون فاقطع عليهم السبيل وكن أطول منهم نفساً وأشد منهم مكراً فإن هؤلاء الأعداء يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين والله الموفق .

رامي الهندي 05-03-2012 10:43 AM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك وأعطى ناساً من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة فقال رجل والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله فقلت والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فأخبرته بما قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ثم قال يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر فقلت لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثاً متفق عليه .
وقوله كالصرف هو بكسر الصاد المهملة وهو صبغ أحمر .

الشَّرْحُ
قوله لما كان غزوة حنين وهي غزوة الطائف التي كانت بعد فتح مكة غزاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وغنم منهم غنائم كثيرة جداً من إبل وغنم ودراهم ودنانير ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم نزل بالجعرانة وهي محل عند منتهى الحرم من جهة الطائف .
نزل بها وصار يقسم الغنائم، وقسم في المؤلفة قلوبهم - أي في زعماء القبائل يؤلفهم على الإسلام، وأعطاهم عطاء كثيراً حتى كان يعطي الواحد منهم مائة من الإبل .
فقال رجل من القوم والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله نعوذ بالله .
يقول هذا القول في قسمة قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن حب الدنيا والشيطان يوقع الإنسان في الهلكة .
هذه الكلمة كلمة كفر أن ينسب الله ورسوله إلى عدم العدل وإلى أن النبي لم يرد بها وجه الله .
ولاشك أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بها وجه الله أراد أن يؤلف كبار القبائل والعشائر من أجل أن يتقوى الإسلام لأن أسياد القوم إذا ألفوا الإسلام وقوي إيمانهم بذلك حصل منهم خير كثير وتبعهم على ذلك قبائل وعشائر، واعتز الإسلام بهذا ولكن الجهل والعياذ بالله يوقع صاحبه في الهلكة .
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما سمع هذه الكلمة تقال في رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بها ورفعها إليه أخبره بأن هذا الرجل يقول كذا وكذا فتغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى كان كالصرف - أي كالذهب - من صفرته وتغيره .
ثم قال فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام إذا كانت قسمة الله ليست عدلاً وقسمة رسوله ليست عدلاً فمن يعدل إذا ثم قال: يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر والشاهد هذه الكلمة هي أن الأنبياء يؤذون ويصبرون، فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قيل له هذا الكلام بعد ثماني سنين من هجرته يعني ليس في أول الدعوة بل بعدما مكن الله له وبعدما عرف صدقه وبعدما أظهر الله آيات الرسول في الآفاق وفي أنفسهم مع ذلك يقال هذه القسمة لم يعدل فيها ولم يرد بها وجه الله .
فإذا كان هذا قول رجل في صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام للنبي صلى الله عليه وسلم فلا تستغرب أن يقول الناس في عالم من العلماء إن هذا العالم فيه كذا وفيه كذا ويصفونه بالعيوب، لأن الشيطان هو الذي يؤز هؤلاء على أن يقدحوا في العلماء .
لأنهم إذا قدحوا في العلماء وسقطت أقوالهم عند الناس ما بقي للناس أحد يقودهم بكتاب الله بل تقودهم الشياطين وحزب الشيطان ولذلك كان غيبة العلماء أعظم بكثير من غيبة غير العلماء، لأن غيبة غير العلماء غيبة شخصية إن ضرت فإنها لا تضر إلا الذي اغتاب والذي قيلت فيه الغيبة، لكن غيبة العلماء تضر الإسلام كله لأن العلماء حملة لواء الإسلام فإذا سقطت الثقة بأقوالهم، سقط لواء الإسلام، وصار في هذا ضرر على الأمة الإسلامية .
فإذا كانت لحوم الناس بالغيبة لحوم ميتة فإن لحوم العلماء لحوم ميتة مسمومة لما فيه من الضرر العظيم .
فأقول: لا تستغرب إذا سمعت أحداً يسب العلماء وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل فيه ما قيل فاصبر واحتسب الأجر من الله عز وجل واعلم أن العاقبة للتقوى .
ما دام الإنسان في تقوى وعلى نور من الله عز وجل فإن العاقبة له .
كذلك يوجد بعض الناس يكن له صديق أو قريب يخطئ مرة واحدة فيصفه بالعيب والسب والشتم في خطيئة واحدة .
على هذا الذي وصف بالعيب أن يصبر وأن يعلم أن الأنبياء قد سبوا وأوذوا وكذبوا وقيل إنهم مجانين وإنهم شعراء وإنهم كهنة وإنهم سحرة فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا هكذا يقول الله عز وجل .
ففي هذا الحديث: دليل على أن للإمام أن يعطي من يرى في عطيته المصلحة ولو أكثر من غيره، إذا كان في هذا مصلحة للإسلام .
ليست مصلحة شخصية يحابي من يحب ويمنع من لا يحب، لا إذا رأى في هذا مصلحة للإسلام وزاد في العطاء فإن هذا إليه وهو مسؤول أمام الله ولا يحل لأحد أن يعترض عليه فإن اعترض عليه فقد ظلم نفسه .
وفيه أن الرسول عليه الصلاة والسلام يعتبر بمن مضى من الرسل ولهذا قال لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر لأن الله يقول: { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } ويقول: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } فأمر الله نبيه أن يقتدي بهدي الأنبياء قبله .
وهكذا ينبغي لنا نحن أن نقتدي بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الصبر على الأذى وأن نحتسب الأجر على الله وأن نعلم أن هذا زيادة في درجاتنا مع الاحتساب وتكفير لسيئاتنا والله الموفق .

رامي الهندي 08-03-2012 07:11 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 

- وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله بعبده خيراً عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامةوقال النبي صلى الله عليه وسلم إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط رواه الترمذي وقال حديث حسن .

الشَّرْحُ
الأمور كلها بيد الله عز وجل وبإرادته لأن الله يقول عن نفسه فعال لما يريد ويقول { إن الله يفعل ما يشاء } فكل الأمور بيد الله والإنسان لا يخلو من خطأ ومعصية وتقصير في الواجب، فإذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا إما بماله أو بأهله أو بنفسه أو بأحد ممن يتصل به .
المهم أن تعجل له العقوبة، لأن العقوبات تكفر السيئات فإذا تعجلت العقوبة وكفر الله بها عن العبد فإن يوافي الله وليس عليه ذنب قد طهرته المصائب والبلايا حتى إنه ليشدد على الإنسان موته لبقاء سيئة أو سيئتين عليه، حتى يخرج من الدنيا نقيا من الذنوب، وهذه نعمة لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة .
لكن إذا أراد الله بعبده الشر أمهل له واستدرجه وأدر عليه النعم ودفع عنه النقم حتى يبطر ويفرح فرحاً مذموما بما أنعم الله به عليه .
وحينئذ يلاقي ربه وهو مغمور بسيئاته فيعاقب بها في الآخرة نسأل الله العافية فإذا رأيت شخصاً يبارز الله بالعصيان وقد وقاه الله البلاء وأدر عليه النعم فاعلم أن الله إنما أراد به شراً لأن الله أخر عنه العقوبة حتى يوافي بها يوم القيامة .
ثم ذكر في هذا الحديث أن عظم الجزاء من عظم البلاء يعني أنه كلما عظم البلاء عظم الجزاء فالبلاء السهل له أجر يسير والبلاء الشديد له أجر كبير لأن الله عز وجل ذو فضل على الناس إذا ابتلاهم بالشدائد أعطاهم عليها من الأجر الكبير وإذا هانت المصائب هان الأجر .
وإن الله إذا أحب قوم ابتلاهم فمن رضى فله الرضى ومن سخط فله السخط وهذه بشرى للمؤمن إذا ابتلي بالمصيبة فلا يظن أن الله سبحانه يبغضه بل قد يكون هذا من علامة محبة الله للعبد يبتليه سبحانه بالمصائب فإذا رضي الإنسان وصبر واحتسب فله الرضى وإن سخط فله السخط .
وفي هذا حث على أن الإنسان يصبر على المصائب حتى يكتب له الرضى من الله عز وجل والله الموفق

رامي الهندي 04-04-2012 09:06 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب متفق عليه .
و الصرعة بضم الصاد وفتح الراء وأصله عند العرب من يصرع الناس كثيراً
- وعن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان وأحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد فقالوا له إن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعوذ بالله من الشيطان الرجيم متفق عليه

الشَّرْحُ
هذان الحديثان اللذان ذكرهما المؤلف في الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم فيستشيط غضباً ويحتمي جسده وتنتفخ أوداجه ويحمر وجهه ويتكلم بكلام لا يعقله أحياناً ويتصرف تصرفاً لا يعقله أيضاً ولهذا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أوصني قال لا تغضب قال أوصني قال لا تغضب قال أوصني قال لا تغضب .
وبين النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله أن الشديد ليس بالصرعة فقال ليس الشديد بالصرعة أي ليس القوي في الصرعة الذي يكثر صرع الناس فيطرحهم ويغلبهم .
هذا يقال عنه عند الناس إنه شديد وقوي ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ليس هذا هو الشديد حقيقة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب أي القوى الحقيقة هو الذي يصرع نفسه إذا صارعته وغضب ملكها وتحكم فيها لأن هذه هي القوة الحقيقية .
قوة داخلية معنوية يتغلب بها الإنسان على الشيطان لأن الشيطان هو الذي يلقي الجمرة في قلبك من أجل أن تغضب .
ففي هذا الحديث الحث على أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب وأن لا يسترسل فيه لأنه يندم بعده كثيراً ما يغضب الإنسان فيطلق امرأته وربما تكون هذه الطلقة آخر تطليقة .
كثيراً ما يغضب الإنسان فيتلف ماله إما بالحرق أو بالتكسير، كثيرا ما يغضب على ابنه حتى يضربه وربما مات بضربه وكذلك يغضب على زوجته مثلاً فيضربها ضرباً مبرحاً وما أشبه ذلك من الأشياء الكثيرة التي تحدث للإنسان وقت الغضب ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان لأن الغضب يمنع القاضي من تصور المسألة ثم من تطبيق الحكم الشرعي عليها، فيهلك ويحكم بين الناس بغير الحق .
وكذلك ذكر المؤلف رحمه الله حديث لسليمان بن صرد رضي الله عنه في رجلين استبا عند الرسول صلى الله عليه وسلم فغضب أحدهما حتى انتفخت أوداجه واحمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أعوذ بالله أي اعتصم به .
من الشيطان الرجيم لأن ما أصابه من الشيطان .
وعلى هذا فنقول المشروع للإنسان إذا غضب أن يحبس نفسه وأن يصبر وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأن يتوضأ فإن الوضوء يطفئ الغضب .
وإن كان قائماً فليقعد وإن كان قاعداً فليضطجع وإن خاف خرج من المكان الذي هو فيه حتى لا ينفذ غضبه فيندم بعد ذلك والله الموفق .

رامي الهندي 10-04-2012 05:30 PM

رد: مختارات من شرح كتاب رياض الصالحين للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
 
- وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال لا تغضب فردد مراراً قال لا تغضب رواه البخاري .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح .

الشَّرْحُ
هذه الأحاديث في باب الصبر تدل على فضيلة الصبر .
أما الحديث الأول: حديث معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة الحديث .
الغيظ هو الغضب الشديد، والإنسان الغاضب هو الذي يتصور نفسه أنه قادر على أن ينفذ لأن من لا يستطيع لا يغضب لكنه يحزن ولهذا يوصف الله بالغضب ولا يوصف بالحزن لأن الحزن نقص والغضب في محله كمال فإذا اغتاظ الإنسان من شخص وهو قادر على أن يفتك به ولكنه ترك ذلك ابتغاء وجه الله وصبر على ما حصل له من أسباب الغيظ فله هذا الثواب العظيم أنه يدعى على رؤوس الخلائق يوم القيامة ويخير من أي الحور شاء .
وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال يا رسول الله أوصني قال لا تغضب فردد مراراً فقال لا تغضب فقد سبق الكلام عليه .
والحديث الثالث دليل على أن الإنسان إذا صبر واحتسب الأجر عند الله كفر الله عنه سيئاته إذا أصيب الإنسان ببلاء في نفسه أو ولده أو ماله ثم صبر على ذلك فإن الله سبحانه وتعالى لا يزال يبتليه بهذا حتى لا يكون عليه خطيئة .
ففيه دليل على أن المصائب في النفس والولد والمال تكون كفارة للإنسان حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة ولكن هذا إذا صبر .
أما إذا تسخط فإن من تسخط فله السخط والله الموفق .


All times are GMT +3. The time now is 04:01 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010

جميع الحقوق محفوظه لمنتديات سماء يافع

a.d - i.s.s.w

mamnoa 4.0 by DAHOM